محمد عصام يكتب: " للي ما كتقتل كتسمن"

قراءة : (40)

بقلم محمد عصام
 عرف عن المغاربة إيمانهم السخي بالقدر، الى درجة انهم يعتبرون كل مصيبة تصيبهم دون ان تهلكهم بمثابة الغنيمة، التي يتوجب حمد الله عليها آناء الليل وأطراف النهار. فكانوا يقولون " غير تفوت الراس ماكاين باس " ولهذا اعتبروا كل مصيبة لا تقتل فإنها بالضرورة تقوي او على حد تعبيرهم "للي ما تقتل راها كتسمَّن "، إمعانا في إظهار يقينهم بالله وبقدره، ولكن أيضاً تعبيرا عن ايجابيتهم وتحويلهم المحن الى منح، والنقم الى نعم. وهو سلوك صقله تراكم التجارب التاريخية التي سبكوها حكما جارية، وأمثالا محفوظة.
 
وفي السياسة كما في غيرها، تقع كثير من حوادث السير غير المنتظرة، منها ما يسبب في إصابات تتفاوت خطورتها ومنها ما يقتل. ولكن اللبيب هو من يحوِّل النكسات الى انتصارات، والهزائم الى فتوحات. ونحن نتأمَّل الأزمة الطارئة بين دول الجوار الخليجي ذات المشترك الجماعي الممتد الى ما لا نهاية، والعميق الى درجة الرسوخ. لا نشك لحظة واحدة، ان ما يقع الآن من قبيل ما قالوا عنه أجدادنا " للي ما كتقتل ما كتسمَّن  ". انها حادثة سير بسيطة جراء عدم انتباه طفيف وطاريء من وراء مقود القيادة، ساهمت فيه بشكل جلي رياح الطقس الدولي، وتردد الضباب الإقليمي، مما اثر على الرؤية وشوَّش على السير.

في جدول اعمال الديبلوماسية كثير من قشور الموز، يؤدي عدم ضبط مواقع الخطوات بدقة الى فقدان التوازن ولكن ليس بالضرورة الى السقوط. بلغة اخرى ان الإشكالات الطارئة على أجندات المصالح التي تشكل القوت الاساسي لبناء المواقف في العلاقات الدولية، لا يمكن ان تؤثرعلى المنافع الاستراتيجية الكبرى في اي مجال إقليمي، يراد له الاستقرار وانسياب المصالح المترتبة عليه على المستوى الاقتصادي او السياسي بشكل سلس.

وأكيد ان العين لن تخط أ ان العقبة الكؤود التي تسببت في إفقاد محرك عربة العلاقات الخليجية قوة الدفع، هي الموقف من جماعة الاخوان المسلمين. ولهذا لا نحتاج ان نؤكد انه كيفما كانت مواقف هذا الطرف اوذاك، فإننا على كل حال امام أزمة داخلية صرفة تهم فقط شركاء الوطن من اهل الكنانة لوحدهم، مع التسليم ان لا احد منهم يملك لوحده الحقيقة، وأن ارض التعايش واسعة لدرجة استيعاب الجميع عبر آليات  الحوار والرضوخ لإرادة المواطنين المعبر عنها من خلال شفافية صناديق الاقتراع .

من جهة اخرى لا يمنعنا هذا من الانتباه الى ان طقسا دوليا يتم إنتاجه بعيدا عنا ومنذ مدة، لتوريط المنطقة برمتها في تجاذبات داخلية، تفضي في كثير من الاحيان الى احتراب الأشقاء تجسيدا لنبوءة رامسفيلد حول الفوضى الخلاقة. وعليه فبعد التأكيد على ان امر الجماعة شأن داخلي بامتياز، لابد من تمحيص الدفع بدعوى انتماء الجماعة لقيم الإرهاب وإنتاج مسلكيات الاستئصال، لنقول - وبالله التوفيق - إن تنظيم الاخوان الذي راكم أزيد من ثمانين سنة من التواجد الفعلي في حضن الشعب المصرى بكل فئاته، ملازما له في تموجاته، منافحا عنه في قضايا المواطنة والديموقراطية. إنه ذات التنظيم الذي لازمته لعنة " الجماعة المحظورة " على مدى ثلاث ة أجيال كاملة، وكأن الذين مروا من سدة الحكم طيلة هذا العمر ورغم اختلافاتهم البينة، يوحدهم جميعا الانتماء لحزب واحد اسمه " من اجل جماعة الاخوان جماعةً محظورةً الى الأبد "انها عقيدة ترسخت في سياق خاص اظن ان دواعي ومبررات وجودها لم تعد قائمة بالمطلق، لأننا بوعي او بدونه دلفنا الى مرحلة التحول بنكهة الديموقراطية التي لامجال فيها لطعم الكباب او نقع الإرهاب.

لقد أكدت الجماعة عبر مسيرتها التاريخية، أنها تمتلك قدرة هائلة على بناء نسق متجدد من العقائد ينسجم مع السياقات المحيطة، مستحضرا مصلحة الشعب المصري، وانتقلت من مجرد محضن للتربية وإعادة الارتباط بقيم الامة وكسبها التاريخي، الى مشروع سياسي ينافح عن التعددية ويؤمن بالديموقراطية ويؤدي الضرائب عن قناعاته بسخاء حاتمي. قد نتفق او نختلف في مقاربة مرحلة تدبير الاخوان للشأن العام المصري، ولكن أبدا لن نقبل بجعل أخطائهم جسرا للعبور نحو صحراء الاستبداد او قناةً لإنتاج خطاب النكوص والردة.

في سياق مثل هذا، من المطلوب التأكيد ان خياراتنا للإقلاع نحو محطات التحول كثيرة ومتنوعة. وأننا على ضفاف المحيط وبين قباب القرويين ومآذن حسان والكتبية لنا نسيم خاص، وظل وارف من نعيم الاستقرار، لسنا مستعدين ان نفتح نوافذنا ليهب علينا لفيح قادم من اي صحراء  كانت. وإن كنا نعتقد ان ضباب اللحظة لن يحجب عن اشقائنا رؤية افق تصنعه سواعد شعوبنا وعقول نخبنا متى رحب صدرنا ليسعنا جميعا، حتى لا نختنق بنقع غبار معارك ليست معاركنا حينئد فقط سنتقوى مصداقا لقولهم " للي ماتقتل راها كتسمَّن "