رحموني يكتب: إنجاز وتسريع حركة الإصلاح.. من واجبات الوقت التي لا تنتظر

قراءة : (32)

14.03.19
بقلم/ خالد رحموني*
  هل يوجد في بلادنا ما يمنع المسؤول - أيا كان موقعه - من الاستغراق في مزايا الوظيفة واغتنام المنصب العام والتلذذ بخيرات موقعه؟
البعض سيقول، إنّ هناك قوانينَ تمنع وتردع، وجهاتٍ ومؤسساتٍ تراقب وتحاسب، هذا صحيح، ولكن من قال، إن هذه وحدها تكفي لسد أبواب التجاوزات التي ابتلينا بها في مراحل من تجربتنا في الإدارة والسياسة،
ألم تكشفْ لنا الأيام - وما تزال -عن ملفات فساد بعضها فتحناه وبعضها ما زال معلقا بانتظار أنْ يأتيه الدور؟
ألم تفزعنا الأخبار التي تتحدث عن تجاوزات صادمة اقترفها فلان أو علان؟
 فمشكلتنا إذن ليست مع القوانين وعيون الرقباء - وما أكثرها - وإنما مشكلتنا مع غياب الضمير العام أولا ومع تراجع فاعلية إرادتنا لإعادة النظافة إلى الوظيفة العامة وتحريرها من الكوارث البشرية التي حولتها إلى فرصة للكسب والنهب، ذلك أن الموظف الذي أصبح يشعر بأنّ الوظيفة مجرد نزهة عابرة لن تطول كثيرا، أصبح بوسعه أنْ يكيف القوانين والتعليمات لتتناسب تماما مع اجتهاداته وانجازاته، وتبذيره للمال العام إذا لزم الأمر.


أخلاقيات الوظيفة العامة التي افتقدها مجتمعنا، كان يمكن أنْ تساعدنا في الخروج من متاهة التذاكي على الناس والقوانين وأجهزة الرقابة..
فقد خبرنا موظفين كبارًا في بلدنا عاشوا وماتوا فقراء، وعرفنا آخرين ضربوا أروع الأمثلة في النظافة والحرص على المال العام، ولم نسمع أنّ من متطلبات انجازاتهم الوطنية تعيين عشرات المستشارين أو إقامة مؤتمرات تكلف الملايين بلا فائدة ترجى أو البحث عن أي موعد دولي للسفر وقبض العلاوات وممارسة السياحة والاستجمام على حساب الخزينة العامة.


لكي نقنع الناس بأننا جادون في الإصلاح حتى ولو كان بالتقسيط، وأنّ عليهم أنْ يتحملوا مسؤولياتهم الوطنية وأنْ يصبروا وينتظروا الفرج، لا بد أنْ نعيد النظر في كثير من ممارسات المسؤولين وامتيازاتهم وعلاقتهم مع المجتمع على أساس أنهم في خدمته لا العكس، وعلى أساس أنّ الوظيفة العامة تكليف وأنّ من يتولاها لا يريد أنْ يحقق من خلالها مكاسب أو مغانم، وإنما هي جزء من الواجب المفترض أنْ يقوم به الإنسان الكفء والمؤهل دون أنْ ينتظر جزاء أو شكرا.
للأسف تراجعت مثل هذه القيم في مجتمعنا، لا لأن الناس تغيروا،  وإنما لأن المناخات السياسية أغرت البعض على الامتثال لقيم جديدة مثل التذاكي والفهلوة واعتبار الموقع العام والتربح من خلاله واعتبار الوظيفة فرصة للنهب والإثراء وتحقيق الوجاهة المغشوشة.


هذه بديهيات نحتاج لتذكير البعض بها اليوم، وخاصة أولئك الذين يتصورون أنّ موسم  الإصلاح انفض، واحتجاجات الشوارع تراجعت، وأنّ بوسع حليمة أنْ تعود لعاداتها القديمة، هؤلاء سامحهم الله لا يدركون أنّ عجلة الزمن لا تعود للوراء وأنّ الناس الذين عضوا على جروحهم انحازوا لحماية وطنهم من الطوفان الذي أغرق من حولهم، لا خوفا ولا طمعا، وإنما انسجاما مع فطرتهم الوطنية، وكان يجب على المسؤول أن يتعلم منهم، لا أن يدفعهم مجددا إلى الجدار.


لقد سبق وأن قلت منذ أن انطلق قطار ربيع مد الثورات في عالمنا العربي، إنني أدرك تماماً بأن التغيير في بلادنا لن يأتيَ على جناح السرعة، وبأن الصبر مطلوب لكي نتجنب اتهامات حرق المراحل، وقد التزم الشارع المنتفض بهذه الفضيلة، وبدا أعقل من كثيرين ما زالوا يرون في الإصلاح كارثة، وفي مطالب الناس تعسفاً وسفاهة،
لكن يبدو أن ما حصل كان مختلفاً تماماً، فبدل أن تتوقف التدخلات والتجاوزات في شؤوننا العامة زادت وتصاعدت، وبدل أن نبدأ بتبييض الملفات وتصفية الحسابات القديمة ووقف ما استفز الناس وأغضبهم، استمر المسلسل كما كان، حلقة وراء حلقة، وبقي الأبطال ذاتهم يتقافزون على المسرح، وحتى حين استبدل بعضهم، كان نسخة مطابقة تماماً لسلفه، وظل المتفرجون يصفقون كعادتهم.. لم يتغير أي شيء.


لقد هدأ الشارع، واقتنع الشباب (المتحمسون ) للتغيير بأن الزمن كفيل بالإجابة عن أسئلتهم ومطالبهم، وراهن آخرون على أننا تعلمنا من دروسنا ودروس غيرنا، وكل ما يريده الناس اليوم (وهم يتطلعون إلى النيران التي اشتعلت حولهم ) أن يتوقف طابق الفساد وأن تبدأ مرحلة جديدة من النزاهة والاستقامة،
فلا يعقل أن نتحدث عن الإصلاح ونحن نمارس المحسوبية في بعض التعيينات، والازدواجية في المقررات السياسية وفي خطاب كثير من الفاعلين، والفساد في معالجة بعض الملفات، لا يعقل أن نقدم للناس أدلة جديدة على الإصلاح ونحن نعرف أنها مغشوشة، وأنها تتناقض تماما مع بدهيات الإصلاح وأبجدياته.


 باختصار، أقولها وأنا أشعر بمرارة، لكي لا نعود إلى الوراء، ولكي لا يشعر الناس بالإحباط أو الخيبة، ولكي ندفع باتجاه أهم ركيزتين يحتاجهما بلدنا وهما: العزيمة والإرادة  والأمل..
لا بد أن نذهب فورا إلى إصلاح أخلاقيات الإدارة العامة، وإغلاق نوافذ الإغراء والإفساد وبناء المواطن الحر والعفيف والسيد، وإلى نبذ ثقافة اليد السفلى والاستجداء، نحتاج إلى رموز وموظفين نظيفين ومقررات حاسمة تمنع الامتيازات الوظيفية وتصون المال العام وتنهي حالة استسهال مد اليد إلى المال العام، وإلى جيوب الناس، وكرامتهم أيضا.
*عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية