عطوان: الحكم بإعدام 528 .. رصاصة رحمة في رأس القضاء المصري

قراءة : (23)

14.03.27
بقلم: عبد الباري عطوان
أحكام الإعدام التي أصدرتها محكمة جنايات المنيا في حق 528 متهما من أنصار الرئيس محمد مرسي جاءت بمثابة رصاصة رحمة للثورة المصرية، وكل الآمال المعقودة عليها بالحريات والعدالة والقضاء العادل المستقل.
وإذا أخذنا هذه الأحكام كمعيار لأحكام قادمة، فان هناك أكثر من 16 ألف معتقل في السجون المصرية بينهم الرئيس مرسي نفسه وقادة الصفين الأول والثاني في حركة الإخوان المسلمين، وهؤلاء فرادى كانوا أو مجتمعين قد يواجهون الحكم نفسه.
فإصدار القاضي هذه الأحكام الجائرة في غضون يومين من بدء المحاكمة وبطريقة تتواضع أمامها المحاكم العسكرية، ويحيل الأوراق إلى المفتي للتصديق عليها، فان هذا يعني أن هناك نوايا جدية لتنفيذ حكم الإعدام شنقا بهؤلاء أو معظمهم.

عندما حاول الرئيس مرسي التدخل في القضاء المصري، وتغيير قضاة المحكمة الدستورية وتعديل نظامها الأساسي كنا أول من تصدى له، معترضين انطلاقا من ثقتنا بالحد الأدنى من مصداقية هذا القضاء، ويبدو أننا أخطأنا، مثل الكثيرين غيرنا، وكانت هذه الثقة في غير محلها للأسف، خاصة بعد أن قبل رئيس المحكمة الدستورية العليا السيد عدلي منصور أن يكون رئيسا انتقاليا، بعد عزل رئيس منتخب من الشعب في انتخابات حرة نزيهة، فلم يخطر في بالنا مطلقا أن يقبل رأس هرم السلطة التشريعية أن يكون شاهد زور وواجهة لحكم عسكري، بعد ثورة عظيمة انطلقت من اجل التغيير الديمقراطي وحكم المؤسسات والانحياز للمظلومين.

نحن لا نتحدث هنا عن الأحكام الجائرة هذه فقط فربما تلغيها محكمة النقض وهذا احتمال نظري، وترد القضية للنظر فيها مجددا، ولكننا نتحدث عن مستقبل مصر، والصورة التي ستكون عليها مؤسساتها وأي انتخابات رئاسية أو برلمانية بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، فيبدو أن خريطة الطريق التي يتم الحديث عنها بكثرة هذه الأيام ستقود إلى إعادة الحكم الديكتاتوري بوجوه أخرى، هذا أن لم يكن قد عاد فعلا.

مثل هذه الممارسات المخجلة، وما تعكسه من نوايا مبيته بالانتقام، تشكل استفزازا لشريحة عريضة من الشعب المصري، وتدفعها دفعا للاحتكام إلى السلاح للرد على المظالم التي تتعرض لها، وهو آمر لا نتمناه لمصر وشعبها الذي عرف دائما بطبيعته المسالمة، ومعارضته لإشكال العنف كافة، سواء جاءت من قبل الدولة أو المعارضة.
ففي الوقت الذي توجه فيه اتهامات لأكثر من 700 شخص سيمثلون غدا الثلاثاء أمام المحكمة بتهمة القتل، والشروع في القتل واستخدام القوة والعنف ضد موظفين عموميين، وتخريب منشآت الدولة، وحيازة أسلحة بدون ترخيص، وأعمال عنف أدت إلى مقتل شرطيين اثنين في محافظة المنيا، وهي التهم نفسها التي صدرت أحكام بصددها بإعدام 528 شخصا اليوم، في هذا الوقت يتمتع المتورطون في مقتل أكثر من ألف إنسان اعزل في ميدان رابعة العدوية، وأمام بوابة الحرس الجمهوري بحرية كاملة، وربما بامتيازات مادية ومعيشية فارهة مكافأة لهم على مجازرهم هذه الموثقة بالصوت والصورة.

مصر مقبلة على عهد المشانق لا عهد الاستقرار والحريات التي سقط المئات من الشباب وضحوا بأرواحهم من اجل الوصول إليها وتكريسه وإغلاق صفحة الديكتاتورية والفساد إلى الأبد.
انه قضاء فاسد، وأحكامه مهزلة، ومعظم قضاته بلا ضمير، ولا يعرفون معنى العدالة، وهؤلاء يسيئون لمصر، ويعملون على تكريس الظلم فيها، وجرها إلى الصدامات الدموية التي قد تحصد أرواح الأبرياء في المستقبل، لشفاء غليل بعض من تسيطر عليه نزعات الحقد والضغائن.


اكرهوا “الإخوان المسلمين” مثلما شئتم، ولكن لا تكرهوا مصر، ولا تدمروا صورتها ومؤسساتها وثورتها، وتفتحوا أبوابها للفتن وأصحابها الذين لا يريدون الخير لها وشعبها الطيب المسحوق.
مصر تحتاج فعلا إلى رجل قوي شجاع يقودها إلى بر الأمان ويضع حدا لكل هذه المهازل، وينهي حالة الانقسام الراهنة ويحقق المصالحة الوطنية، رجل يترفع على الأحقاد والثأرات والنزعات الانتقامية، يعتمد الحوار وسيلة لحل المشاكل والأزمات ويلغي سياسات العزل والإقصاء والاجتثاث لشريحة عريضة من الشعب، ومن المحزن، والمؤلم، إن هذا الرجل غير موجود في الوقت الراهن، ولهذا لا نستطيع أن ننظر إلى مستقبل مصر بعين متفائلة للأسف الشديد.