محمد عصام يكتب:خطبة الفيزازي.. الدلالة والسياق‎

قراءة : (32)
06-04-14
 شكلت صلاة الجمعة ليوم 28مارس 2014، حدثا استثنائيا في جغرافية أحداث الأسبوع الماضي ، وأسالت  مداداً كثيرا، وفتحت شهية التحليلات  المختلفة لهذا الحدث غير المسبوق في تاريخ المغرب ، فهي أول مرة يصلي فيها امير المؤمنين خلف وجه بارز من وجوه ما اصطلح عليه إعلاميا ب"السلفية الجهادية"، إنه الشيخ محمد الفيزازي المحكوم عليه بثلاثين سنة نافذة، على خلفية أحداث 16ماي2003، والتي قضى منها ثمان سنوات خلف القضبان . 
 فعلا فهو حدث متميز باعتبارأن أداء صلاة الجمعة من طرف أمير المؤمنين، وحرصه على تعدد أماكن قيامه بهذه الشعيرة  ، يعكس حالةً دستوريةً تؤشر لخصوصية الحقل الديني داخل النسق السياسي المغربي ومركزية موقع إمارة المؤمنين في تأمين الأمن الروحي للمغاربة ، ومن ثمة تحاط هذه الشعيرة وغيرها بكل "الضمانات" الكفيلة بإنتاج معنىً يعكس تلك الخصوصية، ويكرس دعائم الأمن الروحي في ظل اختيارات الوسطية والاعتدال والوحدة  المذهبية . وبالتالي لا نتصور إطلاقا أن يكون حدث 28 مارس مجرد جملة اعتراضية غير موصولة بالسياق المتحدث عنه آنفا . بل اننا نعتبر الواقعة تحمل رسائل قوية تروم تأكيد نهج ما فتأ ملك البلاد - وعبر محطات سابقة- يرسم معالم افقه ، معالمَ تجسدها رغبة أكيدة في تدعيم المصالحة بين  الوطن و ساكنيه ، وشركاء سكناه فيما بينهم . فليس جديدا أن  يكون الملك الذي تولى الحكم عقب انخراط المغرب في سياسة إرادية للتصالح دشنها المغفور له الحسن الثاني، حاسما في اختياره المضي بالبلاد نحو أمان جبر الضرر والخروج من منطق المنازعة الى رحابة التعايش و طي صفحات الماضي الأليم ،  عبر هيئة الإنصاف والمصالحة . 
 ومن ذات المنطق ، توالت عمليات انتاج نفس السياسات ولكن هذه المرة بنفس استباقي تعكس رؤية استشرافية للمستقبل، وفي اطار تعاقدي جديد،  لملمة الصف الوطني حول مفردات اللحظة السياسية التي انتجها ربيع الحراك في صيغته المغربية . 

لكن هذا لن يجعلنا ننسى ، أن الملك كان سباقا الى انتقاد التدبير الأمني لملف ما بعد أحداث الدار البيضاء ، بل إنه كان جريئا حين صرح للصحافة الاسبانية بعد مرور اقل من سنتين على تلك الأحداث الأليمة ، التي هزت قناعة " الإستثناء المغربي " ، ووضعت المغاربة وبدون سابق اعداد ، وجها لوجه امام عولمة الإرهاب . وعبَّر وبكل وضوح أن هناك تجاوزات في التعاطي مع هذا الملف، فكان جلالته بذلك يعطي الإشارة الأولى على أن المغرب وإن لم يكن بمنأى عن تسونامي العنف العابر للقارات باسم الدين  أو بغيره ، فإنه لن يتماهى مع سياسات الإستئصال وتجفيف المنابع،  التي كان الطقس الدولي آنداك يدفع في اتجاهها وانخرطت اغلب التشكيلات الإقليمية في تنفيذها .

 إن هذا الموقف يستعيد خصوصية النسق المغربي وبناءه الدستوري ، ويتأسس على إرث سابق في تدبير الحالة الدينية بمنطق التواصل ومنهج الإستيعاب ، ولعل من المفيد ان نتذكر رفض المغرب  في مراحل سابقة،  المشاركة في اجتماعات وزراء الداخلية العرب باعتباره غير معني بحالة الإرهاب والعنف المنظم في وقت اشتعلت بلدان الجوار القريب بنيران المواجهة بين مختلف تشكيلات "الجهاد السياسي " وهذه الدول . 

 السياق الجديد اليوم ، والذي نرى أنه من المفيد استحضاره للقراءة الجيدة لحضور جلالته صلاة الجمعة الاخيرة ، هو أنه لم يمر إلا أسابيع قليلة على أزمة سياسية بين دول الخليج يوجد في خلفيتها الموقف من جماعة الاخوان المسلمين وقضية الإرهاب ، وعليه فإننا نعتقد ان توقيت هذه الصلاة مباشرة بعد انقضاء اجتماع وزراء الداخلية العرب بمراكش و انعقاد القمة العربية بالكويت ، يحمل اكثر من معنى ويختزل  اكثر من رسالة . انه إجابة عملية تنسجم مع مضامين خطاب جلالته امام المؤتمر والذي أكد فيه أن التنمية والإدماج والديموقراطية،  هي الآليات الحقيقية للجواب على ظاهرة العنف بدل الانسياق راء الحلول السهلة والمستنسخة ، الغارقة في مستنقع التدبير الأمني الذي لا ينتج إلا مزيدا من ردود الأفعال ، ومزيدا من الدماء والدمار . 
من جهة اخرى فان هناك رسالة موجهة الى الداخل لابد من التقاط شفراتها وتفكيك بنية معانيها وهي رسالة ذات مستويين اثنيين : 
  -الاول : يعني كل الفرقاء السياسيين وتشكيلات النخب والتي من حين للآخر تقوم بعمليات لتهريب أزماتها الذاتية ، وقصورها التدبيري ، الى فضاء النقاش الهوياتي ، وخلق الإصطفافات الحادة على اساس من التموقعات ذات البعد القيمي او الهوياتي . فالرسالة على هذا المستوى من الوضوح بمكان ، مفادها ان تعاقدات المغاربة غير قابلة للعبث او الاستدراج الى فضاء المزايدة السياسية ،وأن  قواميس الشيطنة غير قابلة للتداول في الفضاء العام باي شكل من الأشكال.

 - الثاني: يعني فصيلا مقدرا من تشكيلات السلفية ، التي أبانت الوقائع عن قدرته على انتاج مراجعات فكرية صارمة على القناعات والتصورات السابقة ، وأثبتت جدية بالغة في ذلك ، كما أن المردودية الفكرية والسياسية لهذه المراجعات بدأت تأتي ُأكلها ، وأن ثمارها التي أينعت قد حان موعد حصادها ، انها باختصار رسالة لتثمين المسار ودعم الاختيار .