رحموني يكتب عن "انحطاط في لغة الخطاب"

قراءة : (97)

14.04.15
من أدوات قتل السياسة: انحطاط في لغة الخطاب، ورداءة في ساحة الممارسة، مسؤولية النخب والناس..
بقلم: خالد رحموني
هنالك قوى سلطوية معلومة مقاصدها، انتعشت في المرحلة تريد أن تنسف قواعد اللعبة الديمقراطية في البلد وتأتي على البيت السياسي المغربي من ركائزه الجامعة، وهي لا تكل أو تمل من العمل على الاستثمار في قتل السياسة باعتبارها نشاطا نبيلا وخدمة عمومية، ارتبطت بسمو القيم وتدبير المصالح بشرف ونيل المنافع بمشروعية قانونية وأخلاقية..
هي تقفز من هدف إلى هدف، ومن مناورة إلى أخرى، بالأمس كانت تريد فرملة منطق الإصلاح من داخل التجربة الوليدة ومن خارجها، والتحكم في موارد العملية السياسية برمتها، وانتهاز شروط الردة الديمقراطية التي بسطت بظلالها على بلدنا بغاية الإجهاز على المولود الديمقراطي الجديد، وحالما فشلت مساعيها وكيدها انتقلت إلى محاولة التحكم في المؤسسات الدستورية وشن مناورة اختطاف مجلس يتفرع ضرورة –في المنطق الديمقراطي –عن الأغلبية القائدة لمسلسل الإصلاحات العامة في البلد.
إن الطبيعة الهيمنية والتحكمية لتلك القوى غدت بينة جلية، وباتت مكشوفة سافرة في أساليبها وأهدافها..


تلك القوى –إذن-التي أدمنت الفساد وتمعشت من أرصدته وتحالفت مع شبكات الاستبداد والاستفراد والاستبلاد، لكي تديم لنفسها تلك المصالح المتراكمة بأساليب غير مشروعة، هي الآن تعمل بتأجيج الخصومة بخطاب فاجر متفجر بالكراهية والحقد والتيه والاتهام والسفالة والركاكة والسقوط، تعمل على قتل السياسة وإبعاد الشعب عنها بعدما أبرم صلحا مع نموذج لها يتصدره العدالة والتنمية والقوى الوطنية والديمقراطية الحقة من غير ادعاء أو تزيد، قتل السياسة في منطق هؤلاء يعني إدامة أوضاع التحكم والفساد وإعادة اسطوانة التحكم والسلطوية للاشتغال من جديد..
لنرى فصلا من المناورات الخائبة لأولئك، والمتجسدة في مستوى الخطاب الذي ران على الممارسة السياسية في المرحلة الأخيرة في بلدنا..
أريد أن أذكّر – مرّة أخرى – بضرورة الانتصار لأخلاقيات العمل السياسي النظيف والراقي والمناضل بجانب شعبنا دفاعا عن آلامه وآماله في التغيير، مع الوفاء بالالتزام بآداب الخصومة السياسية، وبقيم الصدق والمصداقية والنزاهة والشرف التي يجب أن يتحلى بها الفاعل السياسي، مهما كان موقعه في التراتب الإداري أو اتجاهه الفكري أو انحداره الاجتماعي..
ولا أخفي أنني أشعر بالصدمة والفزع حين أتابع بعض السجالات التي تشهدها بلادنا، وأقول خلسة مع نفسي في حديث باطن: لماذا انحدرت لغة خطابنا العام والسياسي منه بخاصة إلى هذا المستوى من الانحطاط والرداءة والسقوط، ولماذا تحولت  لغتنا السياسية إلى مفردات موحشة خالية من الترميز واللطافة في القول واللباقة في الحوار والأدب لحظة الوصال؟
 استطيع أن اقدِّر بالطبع ما تستدعيه الخصومة السياسية من استثمار لأخطاء هذا الطرف أو ذاك، وانتهاز فرص الضعف والارتباك لبعض القوى والأطراف الفاعلة في المجال العام لتسجيل المواقف للتاريخ وبذل العناية باستثمار لحظات الانتكاس حتى والسقوط، واستطيع أن أفهم ما تستلزمه الصراعات السياسية بين عديد النخب من  توظيف  لبعض المواقف والعثرات والأعطاب والإخفاقات، لكن ما الذي يدفع هؤلاء إلى الابتذال في الخطاب، وإلى الضرب تحت الحزام، وإلى الإمعان في تشويه الخصوم واغتيالهم معنويا وسياسياً؟


المشكلة ليست فقط في الانحدار الذي أصاب نقاشاتنا العامة ولقاءاتنا وحواراتنا، وإنما المشكلة أيضا في تراجع قيمنا وأخلاقياتنا العامة أساسا في التداول العام وتسويق المواقف وترصيف لغة وشحذها للوقيعة والحرب لا للحوار العقلاني واجتراح البدائل..
لا يتعلق هذا بالنخب التي اختطفت قضايا الناس واستهبلتهم وتعاملت معهم بمنطق الاستعلاء، وإنما بآخرين من طبقات المجتمع المختلفة انتقلت إليهم هذه العدوى لدرجة أن بعضهم أصبح مؤمناً بفكرة النزقية والتسامي الأرعن بكل ما تحمله من انتهازية ونفعية وانفصام في الشخصية.
إذن  هي  أولا جناية النخب التي استقالت تماما من إنتاج وبث القيم داخل العمل السياسي وتخليق الشأن العام والارتقاء بالممارسة الإصلاحية والالتزام بمقتضيات المصداقية السياسية أولا، وتحول بعض المحسوبين عليها من مواقع التوجيه الفكري والإرشاد السياسي إلى دائرة الترهيب والولوج إلى شبكات المصالح والنفوذ واحتراف صنعة قطاع الطرق الذين تحركهم الغرائز الانتهازية وتلهمهم المقاصد السلطوية الرديئة المهزومة والمهزوزة..


صحيح أن ثمة من أدمن التبشير والترويج العلني الكثيف للفصل بين السياسة والأخلاق، وبين الدين والأخلاق أيضا، لكن لم يخطر في بال – حتى هؤلاء – أن المشكلة ستتحول من مجرد  طلاق بالمعروف إلى زواج مغشوش، ذلك انه إذا قدِّر لنا أن نفهم مبررات هذا الطلاق في سياقات اجتماعية وسياسية ونختلف على مشروعيته، فإنه من غير الممكن أن نفهم مسوغات ذلك  الزواج  الذي يبدو ظاهرياً فيما تنحدر ممارسات طرفية إلى أسوأ ما يمكن من مشاجرات ومناكفات.
وبصراحة أكبر، فإنني أتحدث هنا عن فاعلين سياسيين "صدّعوا" رؤوسنا بدعواتهم الأخلاقية ومواقفهم المحسوبة على منطق الالتزام السياسي والاتزان النضالي، وبعضهم يتحرك بل يتصدر في إطار العمل السياسي والإسلامي أو الوطني..
 فكم من الخطايا ترتكب تحت هذه العناوين، لكنهم للأسف في غفلة منا كشفوا عن وجوههم فإذا بخطابهم أسوأ مما توقعنا، لا أتحدث هنا عن مواجهاتهم مع خصومهم التقليديين السياسيين والاديولوجيين، وإنما عن مواجهاتهم مع إخوانهم الذي تشاركوا معهم في بناء مشروع  الإصلاح الوطني، وعاشروهم على مدى سنوات طويلة ظنا منهم أن  دائرة الإخوة الوطنية والإصلاحية التي تجمعهم اقوي وأوسع من أي اختلاف، وأن الجهر بالسوء -من أي طرف صدر- يتعارض مع الأخلاقيات ورصيد القيم الذي تراكم من سابق خبرة في العلاقة، تلك القيم التي التزموها فيما بينهم وأمام الناس أيضا تعاقدا ووفاء لروحها ومنطقها.


لا يمكن فهم هذه الاشتباكات التي تحتدم داخل الشخصية الاجتماعية  التي تطفو على سطح النخب وتتغلغل بالتالي من خلالهم داخل المجتمع على شكل عدوى من دون الالتفات إلى مسألتين:
إحداهما أنماط التدين المغشوش والوعي الزائف الذي يبثه بين الناس، سواء أكان تدينا سياسيا أو اجتماعيا، تلك الأنماط التي يستخدمها البعض لاصطياد ضحاياهم والتغرير بجمهورهم ، حيث لم يعد مدهشا أن يتستر البعض بأشكال وأنواع ومظاهر دينية للتغطية على سلوكيات مرفوضة يمارسها، وأحسب أن زواج السياسة مع التدين المغشوش مع منطق التربح من الموقع العام، كل ذلك  يمكن أن يقدم لنا نماذج عديدة من هذا القبيل.
والمسألة الثانية تتعلق بما نطالعه من مشاهد الوطنية المشوهة وادعاء النضالية والالتزام السياسي المتلبس والكائنات التي تحولت مقاصدها وأهدافها في العمل العام المشارك، والتي تختفي وراءها سلوكيات سياسية لا تتناقض مع المبادئ والمصالح الوطنية فقط ، وإنما تحاول - جادة - أن تهدمها تحت ذرائع مختلفة وربما متناقضة أحيانا.
إن كلا المسألتين في الحقيقة تعبر عن عُقد من النقص، أو من الرغبة في الانتقام، لكن ما يجمع المشهدين هو غياب الأخلاق  عن العمل وانفصال القيم عن الحركة الإصلاحية، سواء كانت دينية أو وطنية أو سياسية، وهيمنة عقلية التحايل والتنابز والتنازع والصراع على المواقع واحتلال المناصب وتصيد الغنائم على السلوكيات التي يفترض أن تحكمها منهجية المسؤولية الأخلاقية.. قبل أن تخضع لمسطرة القوانين والأنظمة الرادعة؟
المشكلة هنا ليست في عدم وجود تشريعات أو أنظمة رادعة، تضبط الأخلاقيات العامة وتمنع الفجور في الخصومة، وإنما المشكلة الحقيقية تكمن في غياب قواعد وأعراف سلوكية وأخلاقية تحكم العاملين في مجال العمل العام وتؤهل الفاعلين في السياسة من كل المواقع والمراتب، والأهم من ذلك عدم كفاية مناخات من الحرية المسؤولة المنضبطة والخصاص المسجل في منسوب الشفافية الواقية والكاشفة التي يفترض أن تشكل بؤر مراقبة شعبية على مدار الساعة لتتبع نشاط محتلي المواقع والمرافق العامة ، ومتابعة من يتبوأون مقاعدها، باعتبار ذلك حقا للناس.. لا تدخلا في الشأن الخاص، ولا اختراقا للخصوصيات والأمور الشخصية.


ولو حضرت هذه المسؤوليات في الرقابة والتتبع والرصد، لكان بوسعنا أن نرى صورة الجميع من المصدر بوضوح ناصع، ونعرف ما يلزم من معلومات عنهم  دون الحاجة إلى الدخول في سجالات التجريح المسف والفجور في القول، ودون الاعتماد على العمل اللاخلاقي في انتزاع الانتصار من أي طرف كان .
بصراحة، منذ  شهور ، تابعت فصولا صادمة من الاشتباكات والصراعات بين أشخاص اعرفهم واقدر بعضهم ، انتصرت فيها للأسف نوازع الكيد والمكر على قيم النظافة والصدقية وأخلاقيات العمل العام..
لم أتصور يوما، أن الاختلاف يمكن أن يتحول إلى حرب تستخدم فيها كل الأسلحة بخفة وقذارة وترنح وعنجهية وصلف..
ويا ليت كانت حربا نظيفة تراعى فيها أخلاقيات الحروب التي ضمنتها الأديان و المواثيق الدولية، وإنما للأسف حرب أخرى قذرة لا يتردد أطرافها عن تجريح الخصم وانتهاك كرامته وربما ذبحه إذا لزم الأمر رمزيا ومعنويا..
وتلك بالطبع صورة من صور الفجور في الخصومة التي تثير الأسف والاشمئزاز والغضب أيضا – مع كل الأسى والأسف.
*عضو الأمانة العام لحزب العدالة والتنمية