الزيارة الملكية للصحراء.. العمق والدلالة

قراءة : (22)

14.04.22
بقلم- خديجة أبلاضي*
يتميز المغرب عن باقي دول الجوار بوجود نظام سياسي يستند لعدة مشروعيات تتوزع بين ما هو ديني وتاريخي واجتماعي ودستوري يوجد على رأسه المؤسسة الملكية التي تعتبر عنصر إجماع لدى كل المغاربة. وقد مثلت عبر ثلاثة قرون من الحكم السياسي ما يقوي شرعيتها ويجعلها عامل قوة في تحقيق الاستقرار السياسي والحفاظ على الأمن العام داخل المجتمع، على الرغم من اختلاف عاداته وتقاليده وثقافته الاجتماعية.

فعلاقة ساكنة الصحراء بالسلطان لم تكن وليدة لحظة تاريخية تحكمها مصالح سياسية محددة، بل إرتبطت بما يسميه الفقهاء "بعقد البيعة السياسية" التي ترتب التزامات متبادلة بين الحاكم والمحكوم، وكنتيجة لذلك حظي الصحرايون بمكانة خاصة لدى الملك تجسدها كل الخطابات الملكية عبر التاريخ.
إن المتتبع لكل الخطابات الملكية بمناسبة عيد المسيرة الخضراء ومناسبة عيد العرش الملكي سيلحظ أن ساكنة الصحراء تحظى برعاية ملكية خاصة، وذلك من خلال الإعلان عن مبادرات سياسية كبرى نذكر منها: مبادرة الحكم الذاتي في سنة 2007 والإعلان عن ورش الجهوية المتقدمة في 2010، والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية سنة 2013، وهي كلها مبادرات تنتظر التنزيل حتى يتعزز الرباط الوثيق بين مؤسسات الدولة وساكنة الصحراء، ويتقوى جدار الثقة بين الحاكم والمحكوم، فكثيرة هي القرارات المعبرة عن الإرادة السياسية العليا للدولة، لكن يبقى الخلل والنقص على مستوى الإنجاز ومدى استفادة ساكنة الصحراء من مختلف المشاريع المقترحة.


إن سؤال الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة أصبح يشكل أولوية في سلم تدبير الشأن الجهوي المرتبط بالصحراء، فالمقاربة المعتمدة على ولاء الشيوخ والأعيان لم تعد كافية في زمن سياسي أصبحت الديموقراطية والتنمية أحد المفاتيح الأساسية لمباشرة عملية الإصلاح من الجنوب إلى الشمال، وهنا لابد لنخبة الصحراء ومثقفيها من إثارة قضايا تدبير الشأن المحلي في عمق النقاش السياسي في مختلف الفضاءات واللقاءات الفكرية والأكاديمية لتنوير الرأي العام المحلي، وهي خطوة مهمة لكي نتجاوز لغة الخشب والمفاهيم ذات البعد التقليدي التي تكرس هيمنة وتحكم فئة بعينها.
إن التحدي الأساسي لكسب الرهان حول القضية الوطنية هو التسويق الجيد لمبادرات الإصلاح وما يتمتع به بلدنا من استقرار سياسي وتداول سلمي حول السلطة، وما تجسده قوة وصلابة المؤسسات السياسية للبلاد، بدءا بالحكومة، وصولا للبرلمان وانتهاء بمؤسسة القضاء، فالمتتبع للشأن السياسي المغربي سيخلص إلى نتيجة مفادها أن بلدنا استطاع أن يجسد نموذج دولة الحق والقانون.


إن الزيارة الملكية الأخيرة لآخر نقطة بالصحراء تريد أن تبعث برسالة سياسية مفادها أنه لا يمكن للمغرب أن يرهن موضوع الصحراء بمواقف دول الجوار، فإذا كانت نتائج الانتخابات الرئاسية للجزائر قد كرست قاعدة التحكم والهيمنة السياسية فإننا نعتبر أن المدخل الأساسي لإنهاء النزاع حول الصحراء هو التشبع بثقافة سياسية قوامها الديمقراطية وجعلها سلوكا وممارسة يعيشها المواطنون بالصحراء، وكنتيجة لذلك تكريس وتنزيل نموذج تنموي يضمن للساكنة عيشا كريما بعيدا عن أية مساومة أو مزايدة في التعبير عن الانتماء للوطن والأمة.
*برلمانية عن حزب العدالة والتنمية بجهة الصحراء المغربية