محمد بالدوان: أبعاد المصالحة الفلسطينية !

قراءة : (54)

06/05/14
بقلم د. محمد بالدوان
خَيّر منذ مدة "نتنياهو"، وما فتئ يعيد تخييره، الرئيس الفلسطيني محمود عباس بين مصالحة حماس ومسالمة "إسرائيل"، لبث الرجل مليا ثم اختار المصالحة في هذه اللحظة التاريخية، وأعلنها رفقة قيادات حماس في الـ23 من أبريل 2014.
لكن يمكن أن تثير هذه المصالحة سيلا من الأسئلة: هل تَعتبر حركتا فتح وحماس المصالحة خيارا استراتيجيا؟  ما السياق السياسي الذي بلور المصالحة، أهو إرادة ذاتية خالصة، أم هو مسار يَهُم برسمه صناع القرار الدولي؟ وهل يمكن اعتبار المصالحة إرهاصا لمصالحات عربية مجاورة فقط؟ أم تشكل خطوة ضرورية للوصول إلى معالم الحل النهائي للصراع العربي الإسرائيلي؟


إرهاصات الربيع..وبدايات المصالحة
لا شك في أن خطوة المصالحة الفلسطينية خطوة جبارة، من حيث كونها تشير إلى إمكان توالي المصالحات بين الفرقاء في بلدان العالم العربي والإسلامي، كيف لا وقد بدأ الصراع الدموي بين الفرقاء في فلسطين منذ انكشاف خطة "دايتون" التي فشلت بإلغاء سلطة منتخبة من قطاع غزة سنة 2007، ثم تبع ذلك شن"إسرائيل" حربا من 2 دجنبر 2008 إلى 18 يناير 2009 لإنهاء مقاومة القطاع ووقف إطلاق الصواريخ، وفك أسر الجندي "جلعاد شاليط"، ولم يتحقق ولو واحد من تلك الأهداف.
تبدو فلسطين، انطلاقا مما تقدم، بلدا صانعا لبراءة اختراع الربيع، حيث إن فكرة استحالة إلغاء القوى الإسلامية ترسخت عبر التطورات التي قطعتها القضية الفلسطينية، فلم يعد أمام جزء مهم من صناع القرار الدولي سوى العمل ضمن معادلة تستحضر القوى  الإسلامية. وإذا تأسست بفلسطين الإرهاصات الأولى للربيع، فلا شك في أنها ستقود إلى  رأب التصدعات  التي خلفها الربيع.  
لا يمكننا التشكيك في كون المصالحة جاءت مُعبرة عن إرادة وئام قوية بين الفصائل الفلسطينية، بخاصة بعد هجوم شرس شنه محمود عباس على "محمد دحلان" المتورط  في تنفيذ خطة "دايتون" الرامية إلى الانقلاب على سلطة حماس المنتخبة في قطاع غزة، والذي وصل حد اتهامه بتسميم الرئيس الراحل ياسر عرفات.
وفي المقابل لا يمكن الاقتصار على السياق السياسي الداخلي لقراءة المصالحة الفلسطينية، حيث إن هذه المصالحة كانت مستحيلة إلى وقت قريب، إذ رفضت حماس بعض مضامين الورقة المصرية سنة 2009، ولا شك في أنه حدثت متغيرات، وتنامت مؤثرات المحيط الإقليمي وصناع القرار الدولي.
ينتابك إحساس، عند سماع كلام القادة الفلسطينيين عن معارضة إسرائيل والولايات المتحدة للمصالحة، بأن كلامهم لا يعدو أن يكون خطابا إعلاميا، والمثير في كلامهم التركيز على الإشادة بالدور المصري(سلطة الانقلاب).
أما إسرائيل فكان عليها أن تعرب عن رفضها المصالحة بعنف تفاديا لسخط اليمين المتطرف، أما الولايات المتحدة فعملت على تنميق رفضها بإرسال طائرات أباتشي إلى مصر بهدف مكتوب ومعلن وواضح من قبل خارجيتها مفاده دعم مواجهة المجموعات المتطرفة ضمانا لأمن المصريين، وحفاظا على الأمن القومي لإسرائيل والولايات المتحدة، وإشارة إلى إمكان التعاون العسكري إذا تفاعلت سلطات الانقلاب إيجابيا بأجندة الولايات المتحدة.

 
الحل النهائي.. ولادة قيصرية 
لا يمكن أن تجتمع أربعة أحداث متصلة في يومين وليلة صدفة: إعلان المصالحة الفلسطينية التي هيئ لها قبل أسابيع، ثم إعلان خارجية الولايات المتحدة تقديم مساعدة عسكرية رمزية لمصر، فاستنفار دول مجلس التعاون الخليجي للانعقاد في قاعدة عسكرية بالرياض لرأب الصدع السعودي القطري. وفي اليوم الموالي ستعرب روسيا عن رغبتها في تواصل المفاوضات بين السوريين، بعد تضييق الخناق على القادة الروس عبر ورقة توسيع تطبيق عقوبات تجميد الأرصدة المالية لكبار الشخصيات المؤثرة في القرار السياسي الروسي، وبعد استهداف الولايات المتحدة ما تبقى لروسيا من نفوذ في أوروبا الشرقية(أزمة أوكرانيا).


من هنا يتبدد الاستغراب حيال سحب السعودية المفاجئ لسفيرها من قطر، إذ كانت القوتان الإقليميتان على خلاف دائم حول قضايا كبرى ذات صلة بمفاوضات التسوية المرتقبة، ونفهم عمق موقف السعودية الداعم للانقلاب في مصر إذ لا يُستبعد ضغطها على جماعة الإخوان المسلمين لحمل مرشدها على إقناع حماس(التي بايعت المرشد حسب مقتضيات التنظيم الدولي للإخوان) بتبني حل نهائي يتضمن تنازلات. ومن هنا أيضا يتأكد إلحاحي، عبر مقالاتي السابقة، على اندراج حل الأزمة السورية، أو المصرية أو العراقية، ضمن ورقة محورها القضية الفلسطينية، ولذلك ليس من الصدفة أيضا دنو موعد الانتخابات الرئاسية في هذه الدول الثلاث من إعلان المصالحة الفلسطينية.


نحن أمام معالم خطة مكتملة الأركان، ممتدةِ الجغرافيا ومحددة التاريخ، شرعت في تنزيلها مختلف الأطراف، وقد تكون مدخلا لتهدئة تفضي إلى تشكيل حكومات كفاءات وطنية مثلما أعلنها الفلسطينيون. ويمكن تفسير استغراق كل هذا الوقت وارتكاب كل تلك المجازر بحدة جولات التفاوض الموصلة إلى حل نهائي متوافق عليه من قبل معظم أطراف الصراع العربي الاسرائيلي.
عودا إلى المصالحة، يبدو أنها أسست على أرضية صلبة تتمثل في وضع آليات ومرجعيات لتجاوز الخلافات السابقة، وتصريف أنشطة المقاومة عبر قناة موحدة تمثلها منظمة التحرير الفلسطينية، وقبول الحل النهائي وفق قاعدة دولة فلسطينية بحدود الـ4 من يونيو 1967 عاصمتها القدس الشريف، وعودة اللاجئين وإطلاق الأسرى، ورفض يهودية الدولة العبرية.

 
طبعا يستحيل أن تقبل الدولة العبرية كل هذه المقتضيات، ولا شك في أن هامش التنازل العربي قد نوقش عبر أطوار المفاوضات السرية، ويمكنني التنبؤ بإمكان التنازل عن بند يهودية الدولة لأنه ظهر في الجولات الأخيرة ليوحي بتنازل قوى المقاومة، وعن قبول التزحزح قليلا عن حدود 1967 باعتبار أن بعض المستوطنات صارت أمرا واقعا، وتفويض مهمة الإشراف والحفاظ على الأماكن المقدسة القائمة اليوم في مدينة القدس لهيئة الأمم المتحدة.


إن معظم الأطراف الإسرائيلية لا يملأ عيناها سوى أرض الميعاد من النيل إلى الفرات، لذلك قد تقبل التسوية على مضض، وقد لا تقبل ويتعثر كل شيء.
لكن المهم بعد كل هذه الترتيبات أن الجسم الفلسطيني بدأ يستعيد مناعته، إذ سيواصل مسار بناء الدولة عبر نضال سياسي مؤثر في المؤسسات الدولية، وذاتٍ متماسكة قادرة على إدارة الصراع المسلح بكفاءة عالية.