بلال التليدي يكتب: ملاحظات من مناظرة حرية الصحافة في المغرب

قراءة : (37)

13-05-14
رغم التباعد الكبير الذي يفصل في العادة وجهتي النظر التي تقارب وضعية حرية الصحافة في المغرب، فثمة ست خلاصات أساسية برزت في المناظرة التي نظمها موقع هسبريس والإذاعة الهولندية "هنا صوتك"، لم يكن الاختلاف حولها في تفاصيل جزئية:


- أول هذه الخلاصات يرجع سبب تأخر المغرب في تصنيفات التقارير الدولية لحرية الصحافة إلى تأخر التوافق حول المنظومة القانونية الجديدة المؤطرة لمهنة الصحافة، إذ تفرض المقاربة التشاركية ضريبة زمن الإصلاح التي لا تراعيها التقارير الدولية التي تعطي نقطا عن البيئة القانونية بغض النظر عن تقييم مرحلة الانتقال وشروط التوافق في أطره القانونية وما يتطلبه من تعميق المنطق التشاركي وتوفير شروط الخروج بقانون يحظى برضى المهنيين قبل أن يعرض على المؤسسة التشريعية.


- ثاني هذه الخلاصات، يرتبط بالبيئة الاقتصادية التي يشتغل فيها الإعلام في المغرب، إذ على الرغم من الإقرار بالخطوة الإصلاحية الجريئة التي اعتمدتها وزارة الاتصال بنشر لائحة الإشهارات الموجهة للصحف ووسائل الإعلام السمعية البصرية والإذاعات واللوائح الإشهارية، والتي تمكن من وضع المهنيين وبشكل شفاف أمام واقع الإشهار والمعايير المستحكمة في توزيعه. على الرغم من كل ذلك، فإن التقييم المشترك للعديد من المتدخلين في هذه المناظرة كشف بأن هذه الخطوة التي قامت بها الوزارة أعطت حجة إضافية لتبرير إصلاح هذا القطاع الحيوي بما يضمن تحرير الإعلام من ضغط لوبيات المال، واعتماد معايير عادلة ومنصفة لتوزيع الإشهار بما يضمن تحسين البيئة الاقتصادية للإعلام وتحقيق نقط إضافية تعين المغرب في تحسين وضعية حرية الصحافة فيه، وتنزع من التقارير الدولية هذه الورقة الضاغطة.


- ثالث هذه الخلاصات، وترتبط بالمهنة ذاتها، إذ أقر أغلب المتدخلين، بأن هناك حالة من الفوضى تعيشها المهنة، تعكسها عمليات الإجهاز المستمر لبعض وسائل الإعلام على قواعد المهنة وأخلاقياتها، وتحول بعضها إلى سلطة فوق القانون، وذلك في غياب هيئة من داخل مهنة المتاعب تقوم بواجبها في تقويم هذه الانحرافات، والدفاع عن شرف هذه المهنة وقواعدها وأخلاقها، والتقليل بذلك من مداخل توسع دائرة التقاضي ضد الصحفيين، وإنهاء عمليات الجلد والتشهير التي يقوم بها بعض المهنيين ضد بعضهم.


- رابع هذه الخلاصات، ترتبط بالعلاقة بين الصحافة والقضاء، إذ جرى الاتفاق على ضرورة إخراج قانون الصحافة وإنهاء محاكمة الصحفيين بمقتضى القانون الجنائي ووضع سقوف محددة للغرامات حتى لا تتحول إلى آليات لإقبار الصحف، وضرورة أن يجري تكوين القضاة في هذا التخصص حتى تقل الأحكام الخاطئة التي تخلق تشنجا مغلوطا بين الصحافة والقضاء وتسيء إلى وضعية حرية الصحافة في المغرب.


- خامس هذه الخلاصات، مرتبط بعلاقة الصحافة بالسلطة، والتي جرى فيها الاتفاق على أن استمرار اعتداء القوات العمومية على الصحفيين وضع لا يشرف المغرب، وأنه آن الأوان للسلطات العمومية أن تساير المنطق الإصلاحي في هذا الاتجاه، وأن تزيل ورقة أخرى تستثمرها التقارير الدولية لإضعاف وضعية المغرب في حرية الصحافة.


- سادس هذ الخلاصات، ترتبط بالوضعية النشاز للإعلام العمومي الذي مانع عملية الإصلاح التي أقدمت عليها وزارة الاتصال بإقرار دفاتر تحملات جديدة، ولا تزال بعض تعبيراته تناهض التعددية وتغتال أخلاقيات المهنة وتعتدي على مقتضيات قانون الشغل في علاقة إدارتها بالمستخدمين، إذ غلب على المتدخلين النفس الاحتجاجي النقدي للمضمون الرديء الذي تبثه هذه القنوات، ولاستمرارها في الاشتغال لمنطق ما قبل دستور فاتح يوليوز.
هذه ست خلاصات أساسية، انتهى إليها المتناظرون مع اختلاف في التوصيف السياسي والمعياري لوضعية المغرب في سكة الانتقال الديمقراطي، إذ ثمة فرق واضح بين محاكمة وضعية حرية الصحافة في المغرب من منطلق الاعتقاد بأن المغرب يعيش وضعية ديمقراطية مكتملة تقتضي أن تكون الأطر القانونية والممارسات الواقعية معبرة عنها، وبين أن يكون المغرب في وضعية التقدم نحو الديمقراطية وما تقتضيه هذه الوضعية من تفاعل مختلف الديناميات للتقدم خطوات مهمة في هذا المجال.
والتقدير، بناء على هذا الاعتبار، أنه على الرغم من التعقيد والحساسية والصعوبة التي يعرفها إصلاح الإعلام بحكم أنه يمثل الحقل الذي تتفاعل فيه الإرادات المختلفة، فإن المغرب يخطو في هذا المجال خطوات إصلاحية جد مهمة، لم تستطع حكومات سابقة أن تقترب منها، وأنه لا خيار لأن يصل الإصلاح إلى منتهاه في هذا المجال حتى تزال كل أوراق الضغط التي تستغل دوليا لإضعاف موقف المغرب والإضرار بمصالحه الحيوية.