المستقبل الديمقراطي: بواعث قلق بقلم ذ. مصطفى الخلفي

قراءة : (29)

هل انتقلت القوى المناهضة للإصلاح إلى مرحلة الهجوم أم ما زالت في وضع دفاعي يسعى للتكيف مع حركة المد الديمقراطي وتوجهات الخطاب الملكي لـ9 مارس؟

يكتسب هذا السؤال شرعية متزايدة في الوسط السياسي والديمقراطي بالمغرب، تأسست في البداية على التوجس من أن يكون رد فعل الدولة على تفجير مراكش عاملا لقلب ميزان القوى لمصلحة التوجهات الرافضة لإصلاحات سياسية عميقة، والتي سيؤدي الانتقال إلى عهد دستوري جديد إلى وضع أدائها المستقبلي تحت مجهر الرقابة الشعبية والمحاسبة المؤسساتية، وهو توجس تعزز بعدد من المؤشرات التي تثير قلقا عميقا على مصير مسلسل الإصلاح الديمقراطي، ومدى صلابة الثقة القائمة بين القوى السياسية من أجل المضي في طريق الإصلاح.

ما هي المؤشرات الدالة على ذلك؟

1. الانتهاكات الفجة لضمانات المحاكمة العادلة في قضية مدير نشر يومية المساء، والتي جعلت أشد خصومه السياسيين والإعلاميين لا يترددون في رفض اعتقاله، والتساؤل عن الخلفيات السياسية الكامنة وراء هذا الملف، كما أن تحريك هذه المتابعة على أساس القانون الجنائي وليس قانون الصحافة يتزامن مع انطلاق مراجعة قانون الصحافة، ورفض قرار المتابعة في حالة سراح واتخاذه في اليوم العالمي لحرية الصحافة وجه رسالة واضحة في عدم المراهنة على حصول إصلاح ديمقراطي عميق في المغرب، ورفع من الشك في مصداقية التوجهات السياسية لمغرب ما بعد 9 مارس.

ولعل العودة إلى ردود الفعل الدولية والمحلية تكشف حجم الضرر الكبير الذي تعرض له المغرب بسبب اعتقال مدير نشر يومية المساء، والاستهانة بهذا الضرر وتبخيسه أحد مؤشرات الوضع الهجومي، وتجاوز ذلك لا يمكنه أن يتحقق سوى بالإفراج عنه والاحترام الشامل لضمانات المحاكمة العادلة.

2. تراجع الحديث عن إجراءات الثقة وحصول تجميد عملي لها، وعلى رأس هذه الإجراءات مواصلة مشروع التسوية السياسية لملف المعتقلين على ذمة قضايا الإرهاب من غير المتورطين في جرائم دم، وهي الفئة التي تمثل أقلية جد محدودة من أصل حوالي 900 معتقل افتقدت محاكمتهم لضمانات العدالة، وغياب مبادرة مؤسساتية لمعالجة قضايا جبر الضرر والإدماج لمجموع المفرج عنهم، سواء بالعفو أو بقضاء مدة العقوبة الحبسية، والذين لا يقل عددهم عن 700. وللعلم، فقد تلا قرار 14 أبريل حديث متنام عن دفعة ثانية، لكن هذا الحديث توارى اليوم.

3. انطلاق مراجعة المنظومة الانتخابية وفق المنطق السلطوي القديم، والذي أصبح متجاوزا في ظل المناخ الدستوري الجديد، والمثير أن ذلك يتم في تناقض مع توجهات غالبية الأحزاب السياسية الوطنية المعتبرة، والتي تؤكد على جعل التصويت يتم بالبطاقة الوطنية، إلا أن الواضح هو اعتماد سياسة الأمر الواقع والتي ظهرت في الاكتفاء بمجرد مراجعة استثنائية للوائح الانتخابية تحت مبرر الاقتصار على استعمال ذلك فقط في الاستفتاء على الدستور، ودون ضمانات علنية وملزمة على أن لا يشمل ذلك باقي الاستشارات الانتخابية.

والمطلوب، كما سبق الحديث عن ذلك، هو الإعلان عن خريطة طريق واضحة ومحددة بمضامين الإصلاح الانتخابي، مثل ما حصل مع خريطة الطريق للإصلاح الدستوري في الخطاب الملكي التاريخي لـ9 مارس.

كل ما سبق ذكره مؤشر من مجموع مؤشرات تفرض الانتباه إلى أن الاشتغال على بناء الثقة بين مجموع الفاعلين كان محدودا، وأن حالة المفاجأة إزاء حركة المد الديمقراطي العربي والتفاعل الملكي معها لم تساعد في إنتاج الخطاب السياسي الملائم لإنجاح الانتقال الديمقراطي، وهو خطاب كان من اللازم أن يجعل الأولوية تنصب على المستقبل الديمقراطي والمؤسساتي أكثر منه الحديث بمنطق مطاردة الساحرات وتصفية الحسابات، وهو منطق لم يتم اللجوء إليه حتى في حالات دول قامت بتحولات عميقة مثل جنوب إفريقيا، فبالأحرى في بلد مثل المغرب، ما زال مسار التطور الديمقراطي هشا ومستهدفا ومخاطر الانقلاب عليه قائمة، وافتقد لجبهة وطنية ديمقراطية مجتمعية لحمايته، ولم ينطلق من أرضية لحمايته من الاستراتيجيات المضادة، وعلى قوى الإصلاح أن تتحمل مسؤوليتها لتقوية الثقة بين مكوناتها وحماية هذا المسار بشكل واضح قبل فوات الأوان.

ذ. مصطفى الخلفي: عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية