رحموني يكتب: الحركة الشبابية المغربية في زمن الانتقال الديمقراطي

قراءة : (1816)

12-04-14
خالد  الرحموني*
يشير خالد الرحموني، أستاذ باحث في العلوم السياسية، إلى أن مُركّب التخلف والتأخر التاريخي الذي يعاني منه مجتمعنا يتمظهر بوضوح في هيمنة قوى تقليدية استبدادية وتجمعات مصلحية انتهازية والتي تجهد ببذل كل طاقتها لإرساء قيم ونمط تدبير تتنافى وحركة التاريخ الإنساني المعاصر.
ويضيف الرحموني، في مقالة بحثية رصينة بأن التفكير العلمي السليم يقتضي إبعاد الوعي الإيديولوجي المزيف من ساحة الممارسة الاجتماعية الإصلاحية والتغييرية أولا، ويتطلب ثانيا إخراج الفرد والمجتمع من إطار هذا النوع من التفكير والتقدير وإدخالهما في إطار الوعي الذاتي النقدي لبناء كيان  فاعل في التاريخ, يكون قادرا على صناعة القرار المستوعب الناضج الواعي  بدوره في صنع عملية تغيير معادلة  الواقع وموازينه وصناعة المستقبل الأفضل.
ويعتبر الرحموني، أن الديمقراطية التي لا تُمارس على أساس نقدي هدفها الإنسان المواطن بالدرجة الأولى تبقى ناقصة ومزيفة ومشوهة. مضيفا أن الخطابات السياسية المعاصرة "كمؤشر" لم تعط هذا الفرد أو تؤمّن له ما يستحق من كرامة ورعاية واحترام.
وفي ما يلي نص المقالة:
مدخل: التلازم التكويني بين الفكر الديمقراطي وحركة الحقوق والحريات
  من الصعب الفصل بين إستراتيجية النضال الديمقراطي وحركة حقوق الإنسان المعاصرة، فالفكرتان مترابطتان، بحيث أن فكرة الحقوق الإنسانية ساهمت في بناء الكرامة  كفلسفة وصبغة ولها مركزية في الخطاب  السياسي المعاصر، فالنظام الديمقراطي المؤسساتي يعتبر خير حامٍ لحقوق الناس، وأقوى راع لحرياتهم وحرماتهم وهذه الأخيرة هي التربة الخصبة التي تنمو فيها الديمقراطية وتتعزز في سياقها الحريات.
إن الديمقراطية وحقوق الإنسان بهذا المعنى تعتبران حاجة وجود أساسية لبناء مجتمعنا المعاصر، فبدون العمل على تكريسهما متلازمين لن نستطيع تحقيق فعالية "الذات الإنسانية الجماعية الواعية"، ولن نتمكن حكما وفعلا من تجاوز أزمتنا الحقيقية المستحكمة فينا والمعيقة لنهوضنا الحضاري ألا وهى مأزق التخلف المجتمعي والتأخر التاريخي.
إن مُركّب التخلف والتأخر التاريخي في مجتمعنا  يتمظهر بوضوح في هيمنة قوى تقليدية استبدادية وتجمعات مصلحية انتهازية و التي تجهد ببذل كل  طاقتها لإرساء قيم ونمط تدبير تتنافى و حركة التاريخ الإنساني المعاصر. فالتفكير العلمي السليم وفقا لهاته الجدلية يقتضي إبعاد الوعي الإيديولوجي المزيف من ساحة الممارسة الاجتماعية الإصلاحية والتغييرية أولا، ويتطلب ثانيا إخراج الفرد والمجتمع من إطار هذا النوع من التفكير والتقدير وإدخالهما في إطار الوعي الذاتي النقدي لبناء كيان  فاعل في التاريخ , قادر على صنع القرار المستوعب الناضج الواعي  بدوره في صنع عملية تغيير معادلة  الواقع وموازينه و صناعة المستقبل الأفضل.
فالمشروع الديمقراطي وفقا لهذا التحديد  يتطلب اعتماد بناء معرفي وفكري قائم على قيم مشتركة إنسانية، حيث يبقى التفكير العلمي السليم الناضج هو المدخل الأساسي للعقلانية المعاصرة. والعقلانية النقدية هي المدخل المعرفي الأساسي للديمقراطية. فالديمقراطية التي لا تُمارس على أساس نقدي هدفها الإنسان المواطن بالدرجة الأولى تبقى ناقصة ومزيفة ومشوهة، لأن الديمقراطية القائمة على العلم والوعي والمحاسبة المجتمعية هي الديمقراطية القادرة على تحقيق العدالة والمساواة والحرية في كافة أشكالها "السياسية والحقوقية والاجتماعية والاقتصادية" للفرد، وللمجتمع ككل، أي هي الديمقراطية القادرة على تحقيق التوازن في بنية الدولة والمجتمع دون النظر إلى اعتبارات أخرى "مذهبية، وقبلية، وإثنية، وعشائرية"، وهذا جوهر العلاقة بين الديمقراطية وحقوق الإنسان، لأن الديمقراطية تنظر إلى العمل المؤسساتي الجماعي والعقل النقدي المحاسب والمواطن المشارك المسؤول كمحددات أساسية من محددات التقدم في مسيرة بناء المواطنة، على اعتبار أن ما هو جذري وذو قيمة أساسية وحاسمة في عالم الإنسان هو الإنسان نفسه، بمعنى إنسان العمل والإنتاج والمعرفة، إنسان الابتكار والإبداع والحضارة، ضد إنسان التواكل والتسليم والسلبية.
الديمقراطية لم تشكل مع مرور الأيام تراثا أو تقليدا ينضم إلى ثقافتنا، بل بقيت مواقف ذهنية ترتبط بشخصية أو شخصيات معينة، وأضحت النخبة تتعاطى معها في بعدها الأداتي والتقني ولم تصل إلى مرحلة وعي قائم بذاته يُمارس كعنصر ثقافي تربوي متجذر في كياننا الجماعي، وهذا يعود إلى عوامل التخلف السائدة في ثقافتنا كإقصاء الآخر وتهميش الأغيار وتبخيس الحوار والتداول والمساءلة في روحها العامة، وهذا ما سيتم استيعابه والخروج منه من خلال الإيمان أولا بالإنسان وحقوقه التي نصت عليها المعاهدات والإعلانات والمواثيق الدولية في روحها العامة.
إن حالة التشوه الفكري في مجتمعنا تتبين من خلال الخلل السائد في العلاقات الإنسانية، وهذا ما ينعكس سلبا على كافة العلاقات القائمة في المجتمع.
إن الفقر بالمفاهيم الإنسانية والديمقراطية في إيديولوجيات ثقافتنا ومثقفينا أسهم في القفز فوق الإنسان الفرد "المواطن". فالخطابات السياسية المعاصرة "كمؤشر" لم تعط هذا الفرد أو تؤمّن له ما يستحق من كرامة ورعاية واحترام.
إن الوصفة الجاهزة التي يقدمها الخطاب السياسي بمختلف تعبيراته -القائم على الأهداف الكبيرة والشعارات النارية - لم ولن تكون ظروف ملائمة لولادة مجتمع يتمتع بالديمقراطية كصيغة لتفكيك "السلطة" وتوزيع الثروة وحقوق الإنسان كأفق يلهم  الفكر والممارسة.
إن السعي إلى تحقيق تراكم أولي لثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان يعتمد بالدرجة الأولى على إيمان ذاتي بهذه الثقافة، وعلى إيجاد الوسائل والآليات اللازمة والعقلانية لنشرها وترسيخها في المجتمع.
فالديمقراطية في صورها الأدنى إذا ما تم توظيفها مقرونة بالاعتراف والإيمان الكامل بحقوق الإنسان فإنها لابد أن تؤدي إلى خلق منظومة فكرية جديدة تتجلى فيما يلي:
 - اعتبار الفرد قيمة بحد ذاته متساويا في حريته وحقوقه بالأفراد الآخرين، مع اعتبار السلطة الحاكمة وسيلة لتنظيم علاقات الأفراد بالشكل الذي يخدم مصالحهم الواعية المشتركة.
- تجسيد التعددية: فالديمقراطية تتقبل الرأي المختلف والهدف المختلف، وتعارض الفرض القسري للأفكار والقيم.
- عدم التحيز إلى رأي دون آخر أو جنس دون آخر أو عقيدة دون أخرى أو جهة دون غيرها...
- الانفتاح وامتلاك أدوات الردع الأخلاقي: إن الحق في الحياة يعني وجوب امتناع الناس أيّاً كانوا عن الاعتداء على حياتي، أي أن يكون لي حق معناه أن أي إنسان آخر في أي مكان وزمان يمتلك مثل هذا الحق.
 -جعل المرجعية للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية، والحق في التعلم والتربية وتبني الأفكار....الخ على أساس إنساني لا على أساس قيمي.
وبغياب هذه المنظومة تُدان التعددية ويَعتبر كل فريق نفسه مالك الحقيقة، عندها سيصبح السجن المكان الوحيد "للخصم"، وعندها سيوضع القانون على الرف أو يصبح غلافا لشهوة الحاكم أو مصلحته أو استفراده بالرأي والقرار، عند هذا كله ماذا سيبقى للمجتمع من قيم وثقافة واختيار؟
إن العمل الحق في مضمار الديمقراطية وحقوق الإنسان يستوجب إغناء مجتمعنا بمختلف تنظيماته المدنية والسياسية بالقيم التعددية المبنية على المساءلة والمراجعة الدائمة والنقد الذاتي والتداول السلمي على المسؤولية والسلطة وهذا ما يفتقر إليه البنيان الإيديولوجي لثقافتنا الجماعية، والذي يجعله بذلك يناقض البنيان التنظيمي المؤسساتي للديمقراطية.
أخيرا، إن "الديمقراطية وحقوق الإنسان" ليست حلا سحريا للمشاكل المطروحة، ولا ابنة اللحظة الآنية، إنها إرث من التعددية والاعتراف بالآخر وبحق الاختلاف، فهي حوار جماعي مستمر للوصول إلى حلول أنجع للقضايا الاجتماعية والسياسية وللإشكاليات التي تواجه المجتمع في سيرورته، فترجّح المصلحة المشتركة وتمكّن البشر من الدفاع عن مصالحهم عبر قنوات وسبل سلمية متنوعة ومشروطة ومعبّرة عن العلاقة بين الوعي والمصلحة وتدبر الصراع بشكل مدني، وإن كل ذلك يفرز مهام إضافية يترتّب على ثقافتنا السائدة ومثقفينا الاضطلاع بها والتعرف على منطلقاتها وضروراتها وآليات التعامل معها والتعامل بها، وتوفير ما تحتاجه من نهج فكري منفتح تشرف عليه العقلانية.
*ضرورة تمحور عمل الحركة الشبابية حول الديمقراطية كإستراتيجية كفاحية وحقوق الإنسان كحركة مدنية:
لا شك أن حقوق الإنسان أصبحت تطال كل مظهر من مظاهر حياتنا، ففي الواقع تكمن انتهاكات حقوق الإنسان في أساس كل المشاكل التي يواجهها العالم  أجمع اليوم: كالعنف، والاحتلال، والفقر، والبيئة، وعدم المساواة ، وانعدام سلطة القانون، وقمع الحريات والحرمات..الخ، وقد بات المجتمع الدولي اليوم يعترف بثلاثة أجيال مختلفة من الحقوق تغطي مختلف أبعاد النشاط الإنساني:
الجيل الأول من الحقوق ( الحريات العامة )
تشمل الحقوق المدنية والسياسية على غرار الحق في حرية التعبير وحرية التجمع والحق في الحياة والتظاهر...
الجيل الثاني من الحقوق ( العدالة والمساواة )
تشمل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على غرار الحق في مستوى عيش لائق والحق بالعمل والانضمام إلى نقابات مهنية ...
الجيل الثالث من الحقوق ( الإخوة أو التضامن والتعايش )
تشير إلى الحقوق الجماعية التي تتعلق بالمجتمعات والشعوب على غرار الحق في التنمية والسلام والبيئة السليمة...
وإذا أردنا تربية شبابنا على قيم المواطنة الصالحة، فلا بد لنا من العمل على احترام ثلاثة أنواع من الحقوق:
1-     العنصر المدني الذي يشمل حقوقاً تتناول حرية الفرد ومسؤوليته.
2-   العنصر السياسي كالحق في المشاركة في ممارسة السلطة السياسية والتصويت في المؤسسات التمثيلية والمشاركة فيها.
3-   العنصر الاجتماعي المرتبط بالحق في مستوى العيش المناسب وشروط العيش الكريم.
  يواجه شبابنا اليوم عمليات الاستبعاد والإقصاء الاجتماعي وتكريس الفوارق الجيلية والوطنية والمجالية والطبقية الحادة من خلال سياسات عمومية جائرة وغير عادلة، لن تتصدى لها حركة جماهيرية لبناء معمار الديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان لمعالجة كل تلك القضايا والأعطاب من خلال:
_ النضال المستمر ضد مركبات الاستبداد والفساد (تفكيك تركز السلطة ) والعمل على إقرار العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة (مواجهة اقتصاد الريع ).
1-  تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات العامة الأساسية وتوسيع الفضاء العمومي.
2-  تطوير حس احترام الذات والآخر والإعلاء من قيمة الكرامة الإنسانية.
3- تطوير سلوكيات ومواقف تؤدي إلى احترام حقوق الآخرين.
4- ضمان المساواة الحقيقية بين الجنسين.
5- تعزيز احترام التنوع الثقافي وسط مجتمع الشباب.
6- تمكين الشباب من ممارسة مواطنة كاملة أكثر نشاطاً وفعالية.
7- تعزيز قيم الديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية.
الشباب طاقة خلاقة في الجدل بين التقليد والتحديث:
السؤال الذي ينطرح هنا هل تسرع الديمقراطية عمليات الانتقال من البناء الثقافي التقليدي المفضي إلى المحافظة الفكرية والمجتمعية إلى الحداثة السياسية والفكرية والمؤسساتية؟ ومن البنى الراكدة والجامدة التي لا تقبل التغيير إلى دينامية التحول وكسر طوق الرتابة؟ وهل تساعد الديمقراطية في نقل الشباب من سلطان الأسرة والقبيلة كحيز مغلق إلى سلطان روح العصر ومنطق العمل المؤسسي المسؤول وبناء فضاء المواطنة الكاملة في اتجاه إعطاء معنى أوسع وأرحب للهوية والمرجعية الحضارية ؟
مما لا شك فيه أن الديمقراطية ستؤدي إلى زيادة الاشتباك بين التقليدية والحداثة والتي قد تنتج في مجتمعنا تقليدية في ثوب حديث أو حداثة لا تعدم مظاهر التقليدية، من صور ذلك ما نشهده من ظواهر التحصن بالانتماءات الإثنية والمناطقية، مما يساهم في شد المجتمع نحو الولاءات الضيقة والانتماءات الدنيا الواطئة.
ومن أهم خصائص الثقافة التقليدية سيادة عقلية الطاعة والولاءات القرابية والعصبوية على حساب عقلية الحوار والنقاش المفتوح على الاحتمالات والنقد الجذري، والاعتقاد بالبناء الهرمي للتفكير العقلاني الذي يقوم على الارتكان إلى خبرة السن وهذا يقتل عملية تجديد النخب والقيادات الضرورية لأي تحول ديمقراطي حقيقي مما يساهم في خنق حركية الأجيال، ومن أهم قضايا التحول الثقافي نحو ثقافة الديمقراطية قضية الانتقال من عقلية التفكير داخل الفضاءات الضيقة إلى العقلية المؤسسية المنفتحة على الآفاق الرحبة، فعقلية الحلقية لا تغادر مستنقع التفكير الطائفي في تصوراتها ورهاناتها، أما العقلية المؤسسية فتستفيد من تجارب الآخرين بالتماس الحكمة الإنسانية فيها.
العلاقة الجدلية بين المجتمع المدني، الحركة الشبابية وثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان:
لا بد من توافر مجموعة من الاشتراطات المادية والمعنوية لقيام المجتمع المدني:
وتتمثل الشروط المادية في:
1- المؤسسات المتعددة: يستلزم قيام المجتمع المدني وجود مجموعة من المنظمات والهيئات التي تعمل في ميادين مختلفة باستقلال عن البنيات الحكومية والدوائر الرسمية عموما، هذا الركن المادي يعكس الانقسامات المتعددة في المجتمع ويحاول تحويلها إلى علاقات تعاون وتكامل وتنافس سلمي بدلاً من الصراع  والتشظي الذي يهدد وحدة المجتمع ويذهب بسلمه المدني.
2- الموارد: الموارد المادية والمعنوية من أهم متطلبات قيام المجتمع المدني بدوره السياسي والاجتماعي إدارة علاقته بالسلطة بما يضمن استقلاله في مواجهتها ليشكل سلطة مضادة.
أما الشروط المعنوية فتتمثل في:
1- الاستقلال الذاتي في التسيير والتدبير من كل قيد تبعية أو نزعة إلحاق متعسفة.
2- الحرية: لن يكون للمجتمع المدني وجود دون تمتع الأفراد بحرية الاختيار والتعبير عن الإرادة في الاختيار، ودون وجود إنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر كشروط معيقة، فبناء الديمقراطية وتكريس الحقوق والحريات التي تعزز دور المجتمع المدني كقوة طليعية هي في الجوهر معركة التغلب على عوائق الحرية.
3- التراضي العام والتشارك: الشروط القانونية لتأسيس المنظمات إذا تم وضعها بالتراضي بين مختلف التيارات في المجتمع كان ذلك دليلاً على توافر الديمقراطية والحرية.
4- احترام النظام والقانون والتأسيس على قاعدة المشروعية والصدقية.
5- التغيير والتنافس بالوسائل السلمية وتجديد النخب: لا بد أن تقبل مكونات المجتمع المدني بالقواعد القانونية السائدة والعمل في إطارها دون الخروج عليها.
6- الشعور بالانتماء والمواطنة الكاملة: المواطنة بمعناها الحقيقي هي مجموعة الحقوق والمسؤوليات التي تربط الأفراد بالدولة على قدم المساواة وبغض النظر عن الاختلافات بينهم، وهي مصدر شعور الأفراد بالولاء والانتماء الجامع للأمة بما يشجعهم على الاهتمام بالشؤون العامة وتوجيه الانتقادات للسياسات الحكومية والسعي للتأثير عليها.
7- التسامح: التسامح هو الذي يجعلنا نطلق صفة مدني على المجتمع، فالمجتمع الذي تسوده روح المدنية هو المجتمع الذي يقبل فيه الأفراد والجماعات وجود آخرين يختلفون معهم في الرأي والمصلحة، كما يحترمون حقوقهم في التعبير عن وجهات نظرهم.
8- الديمقراطية داخل المجتمع المدني: التنوع والاختلاف داخل الجماعة مصدر ثراء يزيد من قوة الجماعة ويصون وحدتها وتماسكها، ديمقراطية المجتمع المدني شرط أساسي لديمقراطية المجتمع ككل.

معركة التمكين الشامل للشباب وراهنية الخيار الديمقراطي:
مفهوم التمكين هنا يتجه إلى إتاحة فرص الوعي الذاتي أمام الشباب بقضاياه ومشكلاته والعوائق التي تحول دون إشباع حاجاتهم وتحقيق مقدرات الإدماج الاجتماعي، وسبل تحقيق المشاركة العادلة والمنصفة في الحياة الاجتماعية القائمة بما يوفر سبل العيش الكريم، في هذا السياق ينطوي التمكين على إمكانية تغيير المجتمع الأبوي القائم والعلاقات الهرمية التحكمية من خلال عملية إثارة وعي الشباب وتنويره وتنشئته سياسيا، وإتاحة فرص إقامة التنظيمات الشبابية السياسية المتسلحة بالثقافة المدنية، والعمل الشبابي الجماعي المدني والتطوعي من أجل مقاومة التوجهات  الأبوية التي تعلمها في مؤسسات التنشئة الاجتماعية والنزعات الانسحابية والاستلابية.
وهنا تحتل مسألة التعليم من أجل التمكين أهمية قصوى إذ أنها تتيح:
دعم الروح الجماعية والتعاون والتفكير والعمل الجماعي التطوعي مع الآخرين بدلاً من العمل في السياق الفردي الشارد رهان بناء ثقافة التطوع والبذل والكفاح وخبرات ذلك.
 توفير المناخ الملائم أمام الشباب لوضع النظام الاجتماعي والنسق السياسي موضع تساؤل ومراجعة دائمين، والقدرة على تحليل ونقد الأوضاع الراهنة بدلاً من تقديمها كمعطى جاهز عليهم التسليم به وتفكيك موازين القوى واكتساب القدرة على الفعل الإرادي لتعديلها لصالح المشروع السياسي العام للإصلاح المجتمعي في اتجاه الدمقرطة.
 صياغة استراتيجيات لمواجهة المقاومة البيروقراطية المستترة والمعلنة للسياسات الموجهة نحو الشباب نهج سلوك سياسي معارض للتوجهات الرسمية للتحالف الرسمي السائد في الدولة والمجتمع.
ولا بد لنهج سياسي وطني موجه لتعزيز البديل الديمقراطي الشبابي أن يعمل على:
1-  تأهيل الشباب لمقاومة ثقافة الطاعة والخضوع والسلبية والممارسات المجتمعية المرتبطة بها من الولاء والحلقية والزعامية.......
2- بناء الوعي والقدرات اللازمة لتغيير البنى الاجتماعية التي تفرز وتدعم التمييز الاجتماعي والتراتبية القصدية القهرية في مواجهة حيوية الشباب كقوة وطاقة خلاقة، بما في ذلك البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتنظيماتها ومؤسساتها وأنظمة التعليم والإعلام والقانون، وكذلك تجاوز نماذج التنمية من أعلى التي تعمل على تهميش وإقصاء واستبعاد المواطنين والشباب على وجه الخصوص من عمليات المشاركة في القرارات الاجتماعية والتنموية.
3- توسيع فرص الحصول على والتحكم في المصادر المعرفية والمادية أمام الشباب ودعم عمليات الولوج للخدمات الاجتماعية والاقتصادية......
4- الشباب والعولمة: تداعيات الثقافة ومتاهات السياسة:
إن الثقافة بشكل عام هي الذاكرة الجمعية لأي مجتمع من المجتمعات، وهى تشكل قيم هذا المجتمع والسلوكيات المرتبطة بالأدوار المختلفة فيه. فالثقافة هي أساس هوية المجتمع وانتمائه، وتميزه عن غيره من المجتمعات. ويتكون العالم من الثقافات الحضارية الكلية والثقافات الفرعية، فالثقافة شيمتها الأساسية هي التنوع، مع وجود حد أدنى من الاتفاق حول القيم الإنسانية الأساسية التأسيسية.
والتجانس الثقافي بين البشر سابق بعصور طويلة على ظهور العولمة الحديثة، لكنه كان محدود بأقاليم معينة متمايزة ثقافيا. وشكلت هذه الأقاليم تجمعات ثقافية تجمع فيما بينها سمات مشتركة وتميزها عن غيرها سمات أخرى.
والعولمة الثقافية تؤدى إلى زيادة المساحة المشتركة بين الثقافات في كل أنحاء العالم، وخلق ثقافة جديدة منفتحة على كافة الآراء والاتجاهات، والتطورات العالمية.
والعولمة الثقافية كما نعيشها اليوم هي وليدة تطورين أساسيين، الأول تطور سياسي اجتاح العالم في نهايات القرن العشرين وهو انتهاء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وحلفائها، والاتحاد السوفييتي وحلفائه، والثاني هو التطور التكنولوجي الهائل في وسائل الاتصال العالمية والبث الإعلامي الفضائي، الذي أصبح يربط البشر في كل لحظة، وفى كل أنحاء الأرض.
فقد أدت نهاية الحرب الباردة إلى رفع الحواجز أمام انسياب المعلومات والتفاعلات بين البشر في مختلف بقاع الأرض للبشر،  فالاهتمامات بحقوق الإنسان، والديمقراطية وحفظ السلام والعدالة الاجتماعية وفرص الحياة الكريمة، وحماية البيئة، هي كلها اهتمامات ذات طابع إنساني.
من ناحية ثانية، لعب التطور التكنولوجي ووسائل الاتصال الحديثة دورا أساسيا في تسريع وتسهيل عملية عولمة الثقافة، بمعنى تطوير وعى وإدراك وقيم ثقافية عالمية. فوسائل الاتصال والإعلام الحديث، والإنترنت، نجحت في توسيع دائرة الاهتمام بالقضايا الإنسانية في دائرة المشترك الكوني بين البشر، وسهلت للمواطن العادي في العالم كله متابعة المعلومات والتطورات حول مجمل تلك القضايا السياسية والبيئية والاقتصادية والعلمية والتواصلية ....، وتجاوزت ذلك في بعض الأحيان إلى المساهمة في تشكيل قناعات وأنماط سلوكية معينة ذات طابع  نمطي عالمي.
فالعولمة الثقافية هي وليدة زوال الموانع الجغرافية السياسية، من ناحية، وزيادة التفاعل والاتصال العالمي نتيجة للتطور في تكنولوجيا الاتصال والفضائيات  المفتوحة من ناحية ثانية. ولذلك، أصبحت قضايا مثل التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان والشفافية والمحاسبية ومكافحة الفساد وحقوق المرأة وحماية البيئة وتمكين الشباب سياسيا وإدماجه في أفق المستقبل...، وغيرها من القضايا العالمية، ويهتم بها المواطنون في جميع أنحاء الأرض.
وهناك حركة عالمية تدعو إلى صياغة مواثيق أخلاقية عالمية تعتمد على التراث الأخلاقي للإنسانية، والثقافة المعاصرة، وأساسها قيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والتماس نبراس الحكمة الإنسانية وهدي الكرامة الآدمية.
والحركة العالمية لبناء الاتفاق حول عدد من القيم الإنسانية، وخاصة احترام حقوق الإنسان هي حركة سابقة على العولمة المعاصرة. فقد اهتمت منظمة الأمم المتحدة منذ نشأتها، وعدد من الهيئات التابعة لها، ومن أهمها منظمة اليونسكو، بوضع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان منذ حوالي نصف قرن. ونجحت هذه الجهود بالفعل في إصدار عدد من المواثيق الدولية مثل: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 1966، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والثقافية 1966.
كما امتد التشريع الدولي لحقوق فئات معينة من البشر، فصدرت الاتفاقية الدولية لحماية اللاجئين 1951، والاتفاقية الدولية لقمع جريمة التمييز العنصري والمعاقبة عليها 1973، واتفاقية حقوق الطفل 1989، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة 1981، وغيرها من الاتفاقيات العالمية التي تسعى للاتفاق على احترام حقوق وحريات البشر اعتمادا على القاسم المشترك بين الثقافات الإنسانية  المختلفة.
ولكن الجديد في عصر العولمة، هو ذلك الوعي الجديد الذي ينتشر تدريجياً بين البشر -على اختلاف أشكالهم وألوانهم، وانتماءاتهم السياسية، ومستوياتهم الاجتماعية والثقافية- بتلك الموضوعات التي كانت من قبل حكرا على الحكومات والهيئات الدولية، وبعض المنظمات المحدودة، والقليل من المثقفين والمحضوضين من نخب المجتمع.
الجديد أيضا أن الوعي بالقضايا الإنسانية يترجم نفسه في صورة حركة عالمية شبابية نابضة لصياغة برنامج عمل لمواجهة بعض القضايا العالمية موازية لحركة الحكومات والدول بل مناقضة لها. وتشترك في هذه الحركة أطراف اكتسبت أهمية متزايدة هي أساسا المنظمات المدنية  غير الحكومية، والتنظيمات الشبابية بل إن أعدادا كبيرة من البشر أصبح متاحا لها اليوم التأثير على الرأي العام، ويطلق البعض تجاوزا على هذه الظاهرة التي بزغت في عصر العولمة، ظاهرة المجتمع المدني العالمي حركة التضامن مع العراق وفلسطين نموذجا.
ولكن هذا الانفتاح المعولم لا يخلو من المخاطر، فثمة مخاطر تحملها في طياتها أدوات الإعلام المختلفة حيث أن الإعلام هو اليد الطولي الافتراضية للعولمة، وإن  دولة كأمريكا تنتج 60 % من البث التلفزيوني المشاهد في العالم مما يعنى  القدرة على تعميم المفاهيم والقيم وتسويق القدرات والأوهام والتخيلات والتمثلات، فالمنتج الإعلامي العولمي يروج للقدرات غير المتناهية للكيان الأمريكي وهو ما يثير الشعور بالدونية لدى الكيانات الصغرى التي لم يصلب عودها، فكل أفريقيا بما فيها الدول العربية في شمال أفريقيا تملك 1.4 % من المحطات التلفزيونية وتنتج  1.8 % من الكتب الصادرة في العالم.
لم يستفز الإعلام عولمي التأثير (الهوية) فقط داخل الشباب بل استفز أيضا القيم والتقاليد وحرك ثباتها فتأرجحت ولم تستقر بعد فهي تمور، وما زال الوقت مبكرا أمام استقرارها في ظل غياب استراتيجيات إرادية سياسية وثقافية مدروسة ذات رؤى محددة فإن حالة التأرجح  ستبقى هي الحاكمة لسلوك المجتمع والشباب على وجه التحديد، كما تساهم في تنامي الازدواجية القيمية والثقافية داخل مجتمعنا إلى حد الانقسام والتفكك، تلك الازدواجية تتقدم أو تتراجع بناءا على قوة الكيان المجتمعي أو قوة كيان الشباب  كروح دافقة ودافعة فيه وعلى مدى النضج النفسي والاجتماعي والمعرفي ودرجة التحقق الاقتصادي و الاقتدار الإنساني في بناء عمليات التنمية والاستفادة من ثمرات النمو.
آفاق جديدة لتعزيز انخراط الحركة الشبابية في معركة البناء الديمقراطي
يعد التعليم والتثقيف المدني أحد القضايا البالغة الأهمية لاعتبارات اقتصادية واجتماعية وثقافية وهو يعنى التعليم السياسي أي التشكيل الثقافي بغرض تكوين المواطن المشارك في نظام حكم صالح بكل شروطه ومقوماته، فلا بد من تدريب شبابنا على المشاركة الواعية النقدية والسلوك الرشيد كمواطنين عضويين لهم حق المشاركة في الانتخابات والحياة العامة واختيار الحكام والمفاضلة بين السياسات المطروحة من خلال الانحياز التفضيلي للقيم ونمطها البديل، بل وبذل مجهود عملي لانجاز التنمية الذاتية والنهضة الوطنية  والمساهمة في خلق الثروة، فالتنشئة السياسية في مفهومها المعاصر تهدف إلى تنمية المجتمع المدني التشاركي ليس تعليما حزبيا طائفيا ضيقا وإنما يقوم على التعددية الثقافية والاجتماعية وهو بمثابة دعوة مفتوحة للمشاركة في الشئون العامة فكرا وقولا وعملا بهدف تأمين الوحدة الوطنية.
التعليم المدني والتنشئة الاجتماعية للشباب ليست مسؤولية مؤسسات التربية والتعليم ومراكز الشباب فقط بل أنه يمتد لجميع المنظمات التي تشارك في التنشئة السياسية والاجتماعية للمواطنين مثل الأسرة والمدرسة والجامعة والشارع  والمسجد وأجهزة الإعلام والمنظمات الأهلية التطوعية....
إن التثقيف المدني والكفاح السياسي هو الباب المفتوح أمام شبابنا لتأهيلهم لولوج لإعداد مجتمعنا للنهضة الوطنية والإصلاح السياسي في اتجاه بناء الديمقراطية ومناكفة الاستبداد كشر مطلق.
الخلاصات والمطالب
 من اجل تعزيز مسار انخراط الشباب  في معركة النضال الديمقراطي وتأكيدا لمصيرية هذا المسعى نقترح التالي الخطوط البرنامجية العريضة
البرنامج المقترح..
1- النضال من اجل تطوير المنظومة التشريعية عموما والمتعلقة بمطالب الشباب وحقوقهم لتتلاءم مع المعايير الواردة في العهود والمواثيق الدولية  بما يتلاءم ومنطق الهوية الوطنية ويحافظ على مبدأي الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.
2- العمل على رفع كل أشكال الوصاية والحجر والتهميش المضروبة على الشباب وإتاحة الفرصة لهم لممارسة أدوارهم بحرية واستقلال كاملين تنظيميا وسياسيا.
3- العمل على ضمان حرية تكوين المؤسسات والتنظيمات الشبابية والانضمام إليها ورفع القيود التي تحول دون استقلالها وقيام مؤسسات المجتمع المدني بدورها في التنمية الشاملة وتعزيز الديمقراطية في عملية بنائها وتمنيعها ضد كل إمكانية اختراق استبدادية أو نزعات شمولية.
4- دعوة وسائل الإعلام إلى التركيز على نشر المبادئ والمعايير الدولية لحقوق الإنسان التي تضمنتها الإعلانات والعهود والاتفاقيات المتصلة بحقوق الإنسان  وذلك على أوسع نطاق ممكن وفى مقدمتها  مبادئ المساواة وعدم التمييز والتسامح وقبول الأخر  وتعميق الحوار بين مكونات المجتمع المختلفة بما يتلاءم مع المرجعية الإسلامية العليا للأمة.
5- التأكيد على أهمية الدور التوجيهي لوسائل الإعلام الجماهيرية والعمل الرقابي للمنظمات الشبابية المختلفة كقوة مجتمعية مضادة تخلق التوازن العام في المجتمع وتحافظ عليه من التنازع والتمزق وتأكيد أولويتها في حماية الحقوق والحريات وكشف الانتهاكات التي تطال هاته الشريحة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بما يسهم في تعزيز دور المجتمع في الدفاع عن حصونه المنيعة وطاقته الشبابية المتوثبة ضد كل إمكانية ارتداد أو نكوص ديمقراطيين.
6- دعوة مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات السلطة ومؤسسات القطاع الخاص إلى تطوير خطاب يساهم في إشاعة النفس الديمقراطي بين القطاعات الاجتماعية المختلفة المتدخلة في الشأن الشبابي باستخدام كافة الوسائل والتقنيات الحديثة الجذابة والمغرية.
7-  النضال لإقرار إصلاح ديمقراطي شامل للمنظومة التعليمية والسعي لاعتماد منهج التعليم والتثقيف المدني الذي يراهن على بناء الإنسان المواطن بدل تكريس نموذج الرعية  لدى مختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية الرسمية وغير الرسمية.
8- النضال من أجل اعتماد سياسات تشاركية ترمي المساهمة في صوغ خطة عمل وطنية تستند إلى السياسة العمومية الوطنية للشباب وتحاول دمج مضامينها في مفاصل القطاعات لمختلف المؤسسات والهيئات الرسمية والأهلية ذات الصلة بالقضايا الشبابية.
9- دعوة المؤسسات الحقوقية والمدنية والتطوعية...إلى مواصلة جهودها في مجالي التأهيل والتدريب ونشر ثقافة العمل وروح التطوع ونفس الكفاح وشرعية الانجاز  بالتعاون مع كافة أطراف المجتمع وقواه الحية والمنتجة.
10-  العمل على إنشاء مرصد يعنى بمتابعة قضايا التثقيف المدني الشبابي والإدماج الاجتماعي والتمكين السياسي ورصد الظواهر النوعية التي تعرض للشباب وأنماط ممارساتها وإصدار تقرير دوري سنوي بشأنها.
11-العمل مع الجهات الشبابية الشعبية والأهلية والأكاديمية المهتمة بقضايا الشباب  على تأسيس بنك معلومات محين يسهم في توفير المعطيات ويعمل على حرية تداولها لدى مجتمع الشباب.
12-النضال من أجل دمج الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشباب في برامج الإصلاح السياسي العام والدستوري منه خاصة، والدعوة إلى التركيز على قضاياها في الفضاءات الجامعية والطلابية والمنتديات الجماهيرية والثقافية والسياسية وتكريس التعامل مع الشباب كمستقبل واعد للوطن لا كعبء ضاغط بعيدا عن المنطق الفئوي والاستبعادي أو التمجيدي.
*باحث في العلوم السياسية