رحموني يكتب: التحول الديمقراطي من السلطوية إلى التنمية الشاملة

قراءة : (252)


خالد رحموني*
  تكاد هذه اللحظة الفارقة من التطور التاريخي الحاسم للأمة تنقضي وتحمل معها العديد من التحولات الجذرية الفاصلة سياسيا وفكريا واجتماعيا، فبعد اندلاع الثورة الديمقراطية الشعبية التي أطاحت بالعديد من الأنظمة العربية التسلطية، وأزاحت طواغيتها الجاثمين لعقود على أنفاس المجتمع، وأحدثت تصدعا في جدار الخوف والصمت، هذه التحولات طالت الأنساق التحكمية  وفتحت ثقبا كبيرا سمح  بنفاد رياح الإصلاح والتغيير .
1- التناقض الرئيسي في مرحلة الانتقال والتغيير:
من بين النتائج البينة والمتجلية لهذه التغييرات على مستوى البنى السلطوية العربية انتصاب قوى سياسية ومجتمعية وحزبية وحقوقية تعددية كانت تعيش في أعماق المجتمعات وعلى هامش الحياة السياسية والمدنية بفعل سلطة الإكراه النافدة والمتحكمة ،وبعد القطيعة التي أحدثتها حركات المد الديمقراطي، وبعد الانطلاق إلى إعادة ترتيب الشرعية السياسية وإرجاع السلطة إلى أصل السيادة الشعبية  من خلال تنظيم انتخابات واستشارات شعبية شفافة غير مسبوقة، ولا خاضعة لمنطق الهندسة الانتخابية الذي كان يحكم مزاج النخب المهيمنة على الحكم، والتي كانت تأتي للإجهاز على الإرادة الشعبية بالتزييف والتزوير مما يؤشر على انتقال انتخابي يفضي إلى انتقال سياسي في اتجاه بناء الدولة الديمقراطية وتأسيس مسلسل انفتاح سياسي يكرس توسيع المجال العام ويمضي صوب دمقرطة النظام السياسي، أصبحنا نرى الآن تجلي للقوى الكامنة في رحم المجتمع ونلمس تناقضا بين قوى الإسلام السياسي المندفع للتعبير الحزبي والتنظيمي عن تشكيلاته المتعددة، وقوى الصف المدني الموسومة بالعلمانية والمتمترسة في مفاصل الدولة والمجتمع من جهة، ومن جهة أخرى تجلي اصطفاف واضح وحاسم حول طبيعة الصراع ضد السلطوية في بنية الدولة والمجتمع، في تشكيل نخبوي جديد تجسد في قوتين: القوى الحاملة لمشروع التغيير والإصلاح، والقوى المضادة للإصلاح والمناهضة للتغيير.
2- قانون الانتقال وطبيعة الصراع السياسي المتجلي:
أول الدروس المستفادة هو تشكل قانون لعبة جديد في الصراع السياسي وبروز قوى اجتماعية، كانت إلى حد الأمس القريب مقصية من الحراك السياسي والمشاركة في بناء الشرعية الديمقراطية، مما ساهم في انفلات المكبوت من عقاله وتصاعد موجات التشنج والإقصاء المتبادل، وتكاثر الاحتجاجات المطلبية الفئوية والإضرابات القطاعية والاعتصامات، مما أدى إلى حدوث أزمة في التصرف في الحرية وفي تصور المواطنة وسوء فهم للشروط الجديدة للاندماج في الفضاء السياسي والمجتمعي العمومي.
كما شهدت البورصات السياسية أزمة خانقة تنبئ بإفلاس اجتماعي وشيك، نتيجة هبوط حاد في مؤشر التيارات السياسية والإيديلوجية الموسومة بالحداثية، وارتفاع مؤشر التيارات الموصوفة بالإسلامية والمتحصنة بالمشروعية الدينية والسياسية معا، وذلك بسبب الإقبال الكبير عليها من قبل الشعب في الانتخابات ودخول المعسكر المقابل في صراع حامي الوطيس معها.
لقد غرقت نخبة القلة المتنفذة من  بعض الساسة وقادة الرأي من التيار المدني الليبرالي واليساري على حد السواء في إنتاج خطاب إيديلوجي ساخر ومتهكم ومتعال مغرق في التعالي والمكابرة،لم يمتلك الجرأة لتلمس رؤية تفسيرية للتحولات العميقة السياسية والمجتمعية التي نضحت بها المرحلة الفارقة من التطور الديمقراطي لامتنا، وبانت إصلاحاتهم السالفة كما منطقهم وخطابهم السياسي والاديلوجي، على أنها محاولات محتشمة وخجولة ولم ترتق إلى المحل الأرفع، ومستوى الحوار العقلاني المحتضر، ولم يقدروا على مواكبة التطورات والرد على التحديات وصناعة التوافقات المطلوبة والتعاقدات الكبرى، التي تؤهلنا لوعي المرحلة والانتقال الناجز والتام نحو الديمقراطية.
3-مسؤولية النخب الفكرية والسياسية على تأمين الانتقال:
إن اعتقادنا هو أن الطبقة السياسية والانتلجينسيا الثقافية، يمكنها أن تظهر في صورة أفضل من تلك التي ظهرت بها في هذه الفترة الانتقالية، والتي تقتضي التحلي بأكبر قدر من المسؤولية الحضارية والأخلاقية، والترفع عن المواقع الإيديلوجية المتحصنة داخلها، والمناصب السياسية التي مكنتها من التحصل على منافع مادية ورمزية، مقابل إدامة السيطرة والنفوذ على موارد السلطة والثروة، الشيء الذي أبعدها بشكل انتهازي عن قواعد الوعي المدني والثقافة الديمقراطية الملتزمة والمبادئ الوطنية الجامعة، والتوقف عن التكالب على الكراسي بدل الاحتكام إلى الإيثار والتضحية من أجل المشترك الوطني والإنساني والديمقراطي في شكل عقد للمواطنة.
إن الصراع على الايدولوجيا يجب أن يتوقف ويحل محلها تصحيح العلاقة بين الدولة والمجتمع من خلال جعل الأولى خادمة للثانية ونابعة منها، في اتجاه إقرار المصالحة التاريخية الكبرى، والحرص على تجديد قواعد الشرعية السياسية من خلال التمكين السياسي للمواطن وجعله قلب النظام السياسي الديمقراطي الوليد، والعمل من طرف القوى الصاعدة انتخابيا بالوفاء بالوعود الانتخابية وتطبيق برامج الحد الأدنى الوفاقي مع القوى السياسية والمدنية، والتي تم تسطيرها والدعاية لها على أساس منطق الخدمة العمومية للناس عوض  خدمة الايدولوجيا الطائفية.
إن منطق التنازل هو الذي ينبغي أن يكون السائد ويرافقه في ذلك الكف عن التحدث بلغة المنتصر والمنهزم لأن الرابح الأكبر هو الوطن لا غير، وبالتالي لا الأغلبية يجب أن تهيمن ولا الأقلية يحق لها أن تحتكر المشهد وتكرس استبداد القلة المتنفذة .
4-من ايدولوجيا النخبوية المتنفذة إلى إعادة امتلاك المسألة الاجتماعية:
إن من بين شروط الانعتاق من الخطاب السياسي المبتذل والمغرق في الانزياح عن اللحظة الراهنة ،هو التحليل النقدي للاحتجاجات اليومية وتركيز الانتباه على المطالب الشعبية، ومعالجة أزمات البطالة والتعليم والصحة، والإسهام من طرف الجميع في تأسيس فضاء العيش المشترك، وتطوير أدوات التضامن الاجتماعي، وتنويع أشكال الفعل العمومي، والشروع في تطهير المؤسسات من الفساد والعطالة الإنتاجية.
إن العكوف على تدقيق وصياغة سياسات عمومية تنهض بمهمة المعالجة المتدرجة لأعطاب التنمية المبنية على المنظور الليبرالي لمجتمع الرفاه الباذخ، ولمنظور للإنماء قائم على تكريس اغتناء القلة من المترفين لهو الأسلوب الوحيد الكفيل بإعادة الدفء للمجتمع، على أساس برنامج إنقاذ وطني يخرج الأمة والشعب من أفات الفقر والعطالة والتهميش والاستبعاد والهشاشة.
إن أهم المعاول النظرية الممكنة هو تخليص السياسة من الارتهان للايدولوجيا الفئوية والطائفية ، وما يرافق ذلك من مظاهر العنف اللفظي والرمزي، وتزييف الوعي العام من خلال الكذب العمومي والإشاعة المغرضة، واتباع الشعارات الغائمة والمنطلقة من سلطة المرجع الأخلاقي والمعرفي، والتي تغذي الفتن والانقسامات بين قوى التغيير والإصلاح الديمقراطي، وفي المقابل يجدر بالفاعلين التحلي بالحكمة العملية والعقل الفاعل والمعنى المقصود، والإرادة المشتركة في البناء والارتقاء بالوطن والمواطن.
5-مهام النخبة في مرحلة الانتقال تفكيك تمركز السلطة والثروة:
إن الإشكال الرئيسي الذي يجب أن ينشغل به التفكير السياسي الجديد هو:
اقتسام السلطة وإعادة توزيع عائداتها وفوائضها بناءا على منطق السيادة الشعبية المبنية على أن الشعب هو موطن السيادة وأن الأمة هي مصدر السلطات، وأن الضمانة الإستراتيجية لعدم عودة الاستبداد وتمركز القرار العمومي وشخصنة الدولة هو الفصل بين السلطات وتفكيك بنيات السلطوية والتحكم في الفضاء العمومي، والإنهاء التام والناجز لمركبات الاستبداد والفساد ورموزه من خلال القطع مع طريقة التدبير السابقة وبناء المجتمع القوي المتضامن والمراقب للحاكمين.
إقرار العدالة الاجتماعية من خلال العمل على التوزيع العادل للثروات، وذلك بالعمل على تحسين الأوضاع الاجتماعية وايلاء أهمية قصوى للمساواة في الفرص والحقوق بين الأفراد على المستوى المعيشي، وتحت مظلة القانون، والابتعاد عن التمركز الجهوي والتعصب الإيديولوجي، والكف عن البحث عن المصلحة الحزبية وعن استعراض عضلات القوة الشعبية والمال السياسي.
 إن النقاش العمومي بين النخب السياسية والفكرية من المفروض أن يتوجه نحو نمط المجتمع الذي يريد الشعب ومنوال التحديث والتطوير والتنمية الذي يلائم المرحلة، ويدمج من خلالها  الفئات والطبقات المحرومة والمناطق المهملة في الدورة الاقتصادية، ويحقق الاعتراف المتبادل والمساواة بين الفئات والشرائح والأجيال. ويعيد إقرار المساواة والعدالة الاجتماعية. ويوزع عائد الخيرات العمومية والثروات بشكل عادل ومتكافئ.
إن ما ينتظر الطبقة السياسية بعد مسلسل الإصلاحات والتغييرات  الجارية على امتداد الوطن العربي هو صياغة عقد اجتماعي سياسي شرعي وعصري للدولة الديمقراطية والمدنية، يقطع مع نموذج السلطوية الشمولية وهيمنة القلة.. ويقر الحريات ويحترم الضمانات والحرمات، ويضمن حقوق الأقليات والفئات، ويغير نظام توزيع الخيرات والمنافع، ويفتح نقاشا وطنيا حول مشاكل الأمن والتفكك الأسري.
6-منطق الخطاب السياسي المؤسس للانتقال: مراجعة وتجاوز
إن من أوليات الخطاب السياسي الديمقراطي الإصلاحي الناضج انبناؤه على القيم الجامعة، وتطوير المشترك الإنساني والديمقراطي الموحد، لجدول الأعمال المبني على المطالب ذات الأولوية والمتمثلة في دمقرطة الدولة والمجتمع، بحيث لا يجب أن ينزلق إلى تناقضات ثانوية تجعل الفكر اليومي يشتمل على تبادل الشتائم والتشويهات، وهتك الحرمات، والتعرض للحياة الشخصية للناس بالتحريض والمغالطة، ولا يجنح نحو الخطية والتمركز على الذات وادعاء النقاء وامتلاك الحقيقة المطلقة، ولا يسقط في الانتهازية التسلطية والبرغماتية الفجة والتعويل على الإقصاء والاتهام ومنطق القوة الفيزيائية المباشرة والاستعراضية، وإنما هو فرصة لتجسير الهوة بين الأنا والآخر، وتقريب المسافات بين الفرقاء السياسيين والخصوم الفكريين المتزاحمين، وتدبير شؤون الناس باللين والمحاورة في كنف السلم الأهلي والتعايش، والتقليل من دائرة الأعداء، وكسب المزيد من الأصدقاء والحلفاء، والارتقاء باللغة المستعملة نحو الدرجة المقبولة من الأخلاق والتربية والعقلانية، ونبذ العنف اللفظي وأساليب الحرب الاديولوجية الباردة المستعرة .
إن السياسة ليست فقط حلبة صراع ومجال للتطاحن وتبادل الكراهية، وإنما فرصة للتحاور والصراع المدني حول المشاريع السياسية والمجتمعية والبرامج والرؤى المتخالفة ، وهي أيضا موطن للتلاقي وتجسير الصداقات وبناء التحالفات والتشاورات، وفضاء للتعارف والتدافع والتوافق.
كما لا يجب أن تتحكم في العملية السياسية في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية بنية عقائدية دغمائية راسخة، ولا تخضع لخلفية إيديولوجية ثابتة وإنما من المفروض أن تضل مجالا عموميا مفتوحا أمام كل القوى الحية والتيارات الفكرية والسياسية المدنية، بمنهجية الجدل المتواصل تسكنه وتؤسس له قيم ومعايير مختلفة وجامعة، تعقلن الصراع السياسي حول موارد السلطة والثروة، ومَأسسته حتى تجنب الاجتماع السياسي والمدني للجماعة الوطنية أزمات وتراجعات وانشقاقات، وتؤسس لتفاهمات وتوازنات وتعاقدات كبرى حول المشترك السياسي الديمقراطي، الذي رهانه في هذه المرحلة هو تفكيك بنى الاستبداد وإقرار العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والتنمية الشاملة.
إن عقدة المشكل السياسي في المرحلة هي جعل الدولة تُكوّن الإرادة  العامة، والمواطنة  يجب أن تأتي إلى التاريخ وتندرج فيه بواسطة الشرعية السياسية والانجاز التراكمي لبرنامج الإصلاح والتغيير الشامل للدولة والمجتمع معا، وهذا يلقي بثقل المسؤولية على النخبة التي من واجبها في المرحلة أن تبحث عن سبل صناعة الخير المشترك، وتجعل الحق ينتصر على الزيف، والعقل على النزوة، وتوفر الفرصة الكاملة لكي تساهم في اتخاذ القرارات الحاسمة والمناسبة بشأن المستقبل.
تقتضي المرحلة القادمة تهذيب القاموس السياسي المتداول للنخبة القائدة، والابتعاد عن لهجة التهديد والوعيد، والكف عن تسخين الأجواء وتجييش الحشود، والاقتصار على التعقل والحلم والتهدئة، والتوجه نحو تطبيق البرامج والوفاء بالتعهدات والشروع في العمل وتحمل المسؤولية على أحسن وجه، والتركيز على الوحدة الوطنية والتعويل على الكفاءات وذوي الخبرة وأهل الدراية.
7-قوى الانتقال بين قيم الغلبة والغنيمة وأفق المواطنة الكاملة:
إنه من المفيد تفادي النظر إلى اللعبة السياسية كغنيمة نتيجة غلبة منطق القوى والغرائز والجاه، ومن المغالطة تقييم الصراع السياسي بين القوى المطالبة بالإصلاح، والتي لها المصلحة فيه، والقوى المناهضة والمعاكسة للتغيير، والتي من مصلحتها الإبقاء على جمود الأوضاع والمحافظة على استقرارها، على أنه صراع ظرفي عابر وليس بنيوي متحكم.
وهذا ما يجعلنا نراجع أسلوب الصراع السياسي ومنطقه وآلياته بالنظر إليه وتكييفه من زاوية التنافس المركنتيلي والتجاري في السوق الاقتصادي، والحقل الذي يتم فيه تبادل المنافع بين العارضين للسلع الرمزية (السياسية والاديولوجية ) والطالبين لها، وذلك لكون الفعل السياسي الحصيف والعقلاني يقوم على الخدمة العمومية للناس وفداء الوطن والتضحية بالمصلحة النفعية والميكيافيلية الشخصية، من أجل توطيد بنيات المواطنة كانتماء مبني على استدعاء قيم المصلحة العامة، بينما في الواقع السياسي المتداعي العملة المتداولة في السوق السياسي والإديولوجي تصعد قيمتها وتهبط بارتفاع حرارة الاحتكار والجشع، وحب الذات، والحيلة، والمكر، والنرجسية، والمغالاة في استدعاء منطق القبيلة، والغنيمة لبناء المجال السياسي وتأثيث الفضاء العمومي.
إن المطلوب اليوم هو القيام بواجب مضاعف، وذلك بالمحافظة على قيم التغيير والإصلاح، والعمل على تصحيح مساراتها من أجل القطع مع الماضي التسلطي الشمولي من جهة، وحماية العملية الديمقراطية من الانزياح والسهر على الانتقال الديمقراطي الناجز والتام باقتسام السلطة بطريقة سلمية واحترام نتائج الانتخابات الشفافة واقتسام الثروة من جهة أخرى.
إن العقلية الديمقراطية الحقيقية تقتضي أن يحترم المنافس، وأن يعامل بندية، وأن تجد المعارضة الفضاءات الكافية للتعبير عن وجهات نظرها، وأن يعطى للنظام الديمقراطي المدني فرصة للتشكل وممارسة "الحكم"، وأن تكون العلاقة بينهما يحكمها التوازن والرقابة والإصغاء المتبادل، وذلك لأن الجميع يركبون نفس السفينة ويتقاسمون نفس المشاغل، ويواجهون نفس التحديات، وتزول بينهم الفوارق والاختلافات، خاصة في ظل وجود تيار مدني وسطي معتدل داخل دائرة تيارات الإسلام السياسي المشارك في العملية الديمقراطية، ونمو تيار وطني ليبرالي ويساري يجذّر نفسه في الجانب النير من التراث العربي الإسلامي.
8-  الحرية نبع أبدي متدفق لتاريخ الانتماء الجامع:
إن الديمقراطية أكبر من مجرد فضاء للاحتفاء بالاختلاف ورعاية التعدد والتنوع في إطار الوطنية الجامعة، فهي قيم تكرس ذلك الانتماء للمواطنة والتعدد والاختلاف وضمان التنوع، بل أكثر من ذلك فهي تمضي في اتجاه بناء نظام سياسي يقوم على الفصل بين السلط، وإقرار الاعتماد المتبادل بين الدولة والمجتمع يتشكل نسيجه على أساس من الثقة المتبادلة والالتزامات الأخلاقية والتعاقدية المشتركة.. هكذا يصنع تاريخ التحولات والانتقالات الديمقراطية الفاصلة في تاريخ الأمم .. وهكذا نطقت خبرة الديمقراطيات العريقة في الدول التي حسمت مع الحكم الطغياني التسلطي المكرس لشخصنة الدولة لا مأسستها، سواء تجلى ذلك في حكم الفرد أو القلة أو الطبقة أو الدين.
لكن كيف يجمع رجل السياسة اليوم وغدا بين أخلاق المسؤولية ونجاعة الخبراء، وبين شجاعة المحاربين المناضلين ووظيفية الإداريين، وبين عضوية المثقفين وحذر القانونيين؟ ..وهل نستطيع القول أن الفضاء العمومي ليس له أمل في الاتساع والبقاء إلا من خلال السرديات التاريخية، أو المثل المغرقة في التجريد والرومانسية ؟.. ومتى يكف الاختلاف على أن يكون خلافا ويتحول التعدد إلى تصميم على مواجهة الظلم وعزم على البناء؟

*عضو المجلس الوطني للعدالة والتنمية