أكوتي يكتب : صندوق "باندورا"

قراءة : (56)

12-06-23

في بداية ثمانينات القرن الماضي لم يجد المغرب بدا من أن يضع اقتصاده على مشرحة المؤسسات المالية الدولية لتعمل فيه مبضعها وفق هواها النيوليبرالي ووفق تصورات تعطي الأولوية لمصالح الدول الرأسمالية الكبرى على حساب مصالح الدول النامية. وفعلا، شكلت نهاية سبعينات القرن المنصرم انعطافا كبيرا في الأسس والفلسفة التي تأسست عليها تلك المؤسسات.
وفي هذا السياق جاء اقتراح إعادة النظر في صندوق المقاصة، غير أن الخلفية النيوليبرالية التي تحكمت فيه لم تستهدف، في ذلك الحين، إعادة توجيه الدعم لمن يستحقه، ولكن رمت إلى إزالة الدعم نفسه لاعتبارات إيديولوجية عديدة.  من بين تلك الاعتبارات، الاعتقاد، الذي  أفصح عنه "ريغن" آنئذ، بأن المشكلة تكمن في الدولة  وأن الحل يمكن في تقليل بل إلغاء دورها الاجتماعي والاقتصادي؛ أما الاعتبار الثاني فتمثل في الإيمان بنجاعة نظام الأسعار، الذي يقود، وفق الإيديولوجية الليبرالية، إلى تحقيق النجاعة الاقتصادية، مع كونه يجسد تبريرا أخلاقيا للتوزيع وفق منطق السوق؛ وينضاف، إلى ما سبق ذكره، السعي إلى الحد من مستوى الطلب الداخلي الذي يحقق، حسب المنظور الليبرالي دائما، هدفا مزدوجا تمثل في تحقيق التوازنات الماكرواقتصادية، من جهة، وفي الرفع من شروط المنافسة لإعادة هيكلة النسيج الاقتصادي حسب ما ذهب إليه "فريدريك هايك"، من جهة ثانية.

لقد امتثل المغرب بكثير من الجدية والحماس لشروط المؤسسات الدولية، حتى إنه اعتبر تلميذا نجيبا في صف الدول التي تعاملت مع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي. لكنه تحفظ أحيانا على بعض الإجراءات، إما بمبررات معقولة تراعي مستوى التطور المؤسساتي، وإما بالنظر إلى كون تلك الإجراءات لا تخدم مصالح الفئة التي تستحوذ على الدولة وتجير قراراتها لصالحها. يمكن القول إن التباطؤ وغياب الحسم في موضوع صندوق المقاصة يعود ولو جزئيا للاستفادة التي تحققها منه بعد الأطراف الاقتصادية المتنفذة.
نعم، لقد اتخذت بشأنه بعض القرارات التي قلصت من لائحة المواد المستفيدة من الدعم، إلا أن الصندوق لم يخضع لإصلاح جذري شامل؛ بقي الصندوق مقفلا والكل يتوجس منه خيفة، كأنه صندوق "باندورا" المليء بالشرور، إلى أن فتحه من جديد رئيس الحكومة بنكيران. ومهما يكن، لابد من الإقرار، بأن نجيب بوليف  وابن كيران قبلا أن يجسدا دورا ملحميا لبروميتوس سياسي مستعد لمواجهة آلهة الريع؛ قبلا ذلك مع وعيهما بأن عاقبته قد تكون تناثر بعض الشرور التي تحرق شعبيتهما وشعبية حزبهما، فتقود سفينته إلى الغرق بينما لم تلح في الأفق بعد تباشير جزيرة صغيرة يأوي إليها.

فتح بوليف صندوق المقاصة فكانت أول الشرور المتناثرة منه الزيادة في أسعار المحروقات. إنه لأمر طبيعي أن يثير قرار هذه الزيادة حنق البعض وتبرمه، فهو بدون شك خبر غير سار بل مؤلم، لكن القرارات السديدة والصائبة قلما تحمل معها البهجة؛ فكم من قرار سديد لا يقبل عليه صاحبه راضيا، بل يتجرعه مثلما يتجرع السم، وتبقى مرارته في حلقه زمنا طويلا حتى بعد أن يتجرعه. لذا، لا يمكن تقييم أي قرار من زاوية ما يكتنفه من رضى أو حنق ولكن من زاوية  أساسه الأخلاقي ونتائجه على النجاعة المالية والأداء الاقتصادي على المديين القريب والآجل.

وفي هذا السياق، يمكن التساؤل هل قرار الزيادة في المحروقات قرار لا شعبي. فهذه الصفة لا تنطبق عليه إلا إذا كان مضرا بالشعب ككل وبمصالحه. فهل هو كذلك؟ طبعا للجواب على هذا السؤال يجب اتباع مقاربة موضوعية بعيدة عن المزايدات والحسابات السياسوية الضيقة.

لبيان ما مدى مصداقية هذا القرار لا بد من التذكير:

إن الفلسفة التي تحكم صندوق المقاصة هو أنه وضع لصالح الفئات الفقيرة والمحتاجة أي الفئات التي تتشكل في غالبها من الأفراد الذين يعيشون وضعا اقتصاديا واجتماعيا صعبا. وبالتالي، فإن الفئات الغنية، أساسا، والطبقة المتوسطة، بدرجة ما، لا تندرج ضمن هذه الفئة التي وضع لصالحها هذا الصندوق؛
 
إن بقاء حال صندوق المقاصة على ما هو عليه ينطوي على وضع ملغز بالنظر إلى أن من يستفيد منه هو الطبقات الميسورة أو تلك التي تعيش في وضع لابأس به. ويكمن هذا اللغز في كون الدعم يمر عبر قناة الاستهلاك، أي أنه كلما استهلك الفرد إلا واستفاد أكثر من الدعم. فإذا ما أخذنا مثال الزيادة في المحروقات فإن النصيب الأكبر من الدعم المخصص لهذه السلعة يذهب إلى الفئة المترفة التي تملك سيارات فارهة  ومستهلكة كثيرا للمحروقات.
 
ويترتب على ما تمت  الإشارة  إليه أمران:

ليس ثمة إصلاح  لنظام المقاصة يمكن أن يتحقق دون أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد المدعمة؛ وكل من يعطي الانطباع بأن هناك طريقة ما للتعاطي مع صندوق المقاصة تجنب الزيادة في أسعار المواد المدعمة فإنما يبيع الوهم للمغاربة ويمنيهم بأمور غير حقيقية. وليس من المصلحة الآجلة للبلد ولاقتصاده أن يتضخم هذا الوهم ويتحول إلى عائق يحول دون الإقدام على التغييرات الهيكلية الضرورية لبناء اقتصاد قوي. وفي الأزمة المالية والاقتصادية الحالية، التي تشد بخناق أوروبا وأمريكا،   خير درس لمن يوهم الناس بأن بإمكان الدولة أو العائلات أن تعيش فوق المستوى الذي تسمح به  مواردها. وبالمناسبة، ستعاني مالية الدولة من وضع حرج خلال سنوات طويلة طالما أن هذه الأزمة مستمرة. وما يلوح في الأفق هو أن إسبانيا، التي تعتبر ثاني شريك تجاري للمغرب، مازالت في عين العاصفة؛ أما فرنسا ، التي تعتبر أول شريك اقتصادي للمغرب، فمازال تدفعها عقدة النموذج الفرنسي إلى عدم التعاطي الجدي مع وضعها المالي والاقتصادي الحرج، وحين ستضطر، لا محالة، للبدء في مواجهة حقيقة أمرها سيزيد ذلك من صعوبة الوضع الاقتصادي في المغرب.

يكمن الهدف الرئيسي من إصلاح صندوق المقاصة في توجيه الدعم بالدرجة الأولى إلى الفئات الفقيرة والمسحوقة. أي إلى الفئات التي تعيش في الهامش والتي بإمكانها أن تعد عدد المرات التي استلمت فيها ورقة نقدية من فئة 200 درهم، أي أولئك الين يعيشون في القرى النائية وفي الجبال وأحزمة الفقر التي تحيط بالمدن. هذه هي الفئة التي أنشأ صندوق المقاصة من أجلها وهي فئة لا يأخذ رأيها بعين الاعتبار بالنظر إلى أنها لا تمتلك مؤسسات حقيقية تعكس تطلعاتها وتدافع من خلالها عن مصالحها، وهذه هي الفئة التي يجب على الحكومة الحالية أن توليها، من منطلق العدل، اهتماما خاصا. 

أستاذ الاقتصاد