إعلان الرباط حول ربيع القيم

قراءة : (145)


12-08-27
نظم المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة يوم 25 غشت 2012 بالرباط ندوة علمية دولية تحت عنوان "تدافع وبناء القيم: السياق الدولي والواقع الإسلامي".
وتم تتويج أشغال الندوة التي نظمها المركز المذكور بتنسيق مع حركة التوحيد والإصلاح ومجلة "البيان" صدور إعلان الرباط حول ربيع القيم، شاكر فيه باحثون بارزون على الصعيدين الوطني والعربي، ومن المغرب.
وفيما يلي النص الكامل لإعلان الرباط :

إننا نحن العلماء والمفكرون والباحثون المجتمعون في الرباط بتاريخ 25 غشت 2012 في إطار الندوة الدولية التي نظمها المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة تحت عنوان " تدافع القيم:السياق الدولي والواقع الإسلامي".
وبعد البحث والنقاش لمختلف البحوث والدراسات التي تقدم بها علماء وأساتذة أجلاء من داخل المغرب وخارجه واستحضار السياق الدولي والجهوي المتميزين بتزايد التفاعل والتدافع بين المنظومات القيمية إيجابا أو سلبا تلاحقا تلقائيا أو سعيا مقصودا الإلحاق والتنميط القيمي والثقافي .
واستحضارا للربيع الديمقراطي الذي هبت نسائمه في المنطقة العربية والإسلامية ، وما برز من خلاله من تطلع لقيم العدالة والمساواة والاستقلال والكرامة ، وما سيكون لذلك من تداعيات على تدافع القيم والهويات والتفاعل بين المرجعيات.
وبعد الشكر للجهة الداعية على حسن التنظيم والوفادة والتنويه بالمستوى العلمي الرفيع للبحوث والعروض المقدمة والتي تناولت القضايا والمحاور التالية :


-    مفهوم القيم وآليات البناء
-    مناهج وإشكاليات البحث في قضايا الهوية والقيم
-    دور الأسرة ومؤسسات المجتمع المدني في بناء القيم
-    واقع تدافع القيم على المستوى السياسي والتعليمي والإعلامي والفني
-    بعض التجارب في مجال تدافع القيم
فان المشاركين من خلال هذا الإعلان " إعلان الرباط حول ربيع القيم " يؤكدون علي ما يلي :
أولا  : أهمية القيم في حياة المجتمعات وبناء المجتمعات والحفاظ على قوتها وتماسكها وضمان اضطلاعها برسالتها في مجال بناء الحضارة والعمران على اعتبار أن القيم هي معايير ملهمة ومرشدة لحياة الإنسان فردا وجماعة في مختلف أنشطته العقلية والمعرفية والأخلاقية والسلوكية والانفعالية والوجدانية.
ثانيا : ان القيم هي أعظم رصيد تراكم لدى المجتمع وانتقل من جيل الى جيل باعتبارها تختزل رصيد الحكمة الإنسانية وصيد الخبرة البشرية الإنسانية سواء تأتى لها عبرة هداية الوحي أو عبر الحكمة الفلسفية والتجربة الإنسانية التاريخية ,
وان الإفلاس في عالم القيم هو اقصر طريق يمكن أن يقود البشرية الى الهاوية وانه إذا كان من الممكن أن نتصور إمكانية استدراك الإفلاس الاقتصادي أو السياسي ،  وان الأمم يمكن أن تستأنف مسيرتها وتقف من سقطتها  إذا حافظت على رصيد مقدر من القيم الإيجابية الباعثة ، فان الإفلاس في مجال القيم  ينتهي بالمجتمع الى الإفلاس وانه مهما بلغ مجتمع من التكديس في عالم الأشياء فان انتفاخه المادي أو التكنولوجي أيل الى إحباط كما يشير إلى ذلك قوله تعالى ً: "وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" ( سورة الروم الآية 8 )
ثالثا : إن استقراء ذلك الرصيد المتأتي من الوحي الإلهي والحكمة البشرية المتراكمة ، يؤكد أن القيم الكبرى أي قيم  الحق والخير والجمال  وما يتفرع عنها وما يؤدي إليها من قيم أخرى تتكامل ولا تتعارض فلا يمكن تصور أن يكون الحق على حساب الجمال والتأمل يفيد أن للأخلاق جمالا وان حسن الخلق غاية الجمال وان الفن والإبداع باعتبارهما مجالين لقيمة الجمال لا يمكن أن يكونا معاكستين لقيم الحق وما يرتبط بها من قيم العدل والمساواة والكرامة ' وان الإخلال بقاعدة التكامل تعكس بداية أكيدة لانحدار المجتمعات في اتجاه التفكك والانحطاط.
رابعا : يؤكد المشاركون على أهمية رعاية الرصيد المشترك للقيم البناءة بين المجتمعات البشرية انطلاقا من أن التعدد الثقافي والقيمي للمجتمعات البشرية هو ثروة يتعين تعهدها من خلال الحوار بين الثقافات والحضارات والتلاقح الإيجابي في مجال القيم البناءة والإيجابية .  ويؤكدون على أن هذا المعنى معنى أصيل في القران الكريم وقاعدة منصوص عليها في القران الكريم وهي قاعدة التعارف ، التعارف بما هو اكتشاف للمختلف وتبادل للخبرات والمنافع والتجارب والقيم البناءة قال تعالى : ً يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير ً (سورة الحجرات الآية 13)
وينوهون بما قدمته التجربة الغربية المعاصرة لرصيد القيم الإنسانية خاصة في مجال تنظيم العلاقات داخل المجتمعات إن على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي وفي مجال التأكيد على الحقوق الفردية والجماعية وتوسيع لمجال الحريات مما لا يتعارض في الأغلبية الساحقة مع ديننا ومرجعيتنا بل مما يؤكده ويلسعه ويقدم إبداعات غير مسبوقة في تنظيميه وتنزيله في صيغ عملية ملموسة
خامسا : وإذ يؤكد المشاركون إن قاعدة التعارف بين الحضارات والمجتمعات وتبادل المنافع والخبرات المادية والمعنوية بما في ذلك  التبادل أو التثقف في مجال القيم ًًًً, انطلاقا من أن هناك قدرا مشتركا من القيم لا وطن ولا دين ولا انتماء جغرافي أو عرقي أو مذهبي له ، يؤكدون أن هذا المعنى من العالمية أو الكونية الحق قد تحقق في أبهى صوره خلال الحقبة الذهبية للحضارة الإسلامية ، وان امتنا الإسلامية بمرجعية كتاب ربها وسنة نبيها قادرة على إنتاج هذا النموذج الحضاري المتقدم ، حيث كانت الحضارة الإسلامية حصيلة تجربة مئات من الشعوب والثقافات واللغات التي كان الرابط الأساس بينها هو  أساسيات العقيدة وكليات الأحكام وأمهات الأخلاق بينما كانت السمة المميزة لها التعدد الثقافي واللغوي والغنى القيمي فكانت وحدة في تنوع وتنوعا ضمن وحدة وتفاعلا خلاقا بين منظومات ثقافية متعددة أتلفت وتناغمت بفضل مرجعية موحدة.
سادسا : وبناء على ذلك يؤكد المشاركون رفضهم لكل عمليات الإلحاق. والاستنباط التي باسم فهم مضلل لمفهوم الكونية يسعون إلى فرض منظومة قيمية نمطية تبلورت ضمن سياق ثقافي وحصاري تميز في وقت من تطور المجتمعات الغربية ولأسباب تاريخية خاصة بالصراع بين النظرة الدينية الكنسية للعالم وبين النظرة الانسانوية الثائرة على ظلم الكنيسة و تواطؤ الإكليروس الكنسي مع الملكيات الإقطاعية .
وبالمقابل يؤكد المشاركون أن السعي لتنميط العالم على هذا المستوى وإلحاق المجتمعات الإسلامية بالنماذج القيمية التي تبلورت بسبب ذلك الصراع التاريخي وما أنتجه من تصورات مادية متطرفة في النظرة إلى الإنسان والمجتمع والأسرة والمرأة والدين والأخلاق قادت إلى صور من الانفلات الأخلاقي  المهدد للاستمرارية المجتمعات الغربية ، إن ذلك فيه خسارة محققة ليس فقط للمجتمعات الإسلامية التي لازالت تملك رصيدا قويا من العقيدة الدينية والمرجعية القيمية والأخلاقية ومن التماسك الاجتماعي ،بل خسارة للبشرية جمعاء لأنه أذا لم يكن من المتصور في الأمد القريب أن تسهم المجتمعات الإسلامية في التطور العلمي والتكنولوجي على نفس وتيرة ما يقع في المجتمعات الغربية المتقدمة تكنولوجيا وسياسيا ،ولا أن تتدارك الفجوة التي ما فتئت تتسع ، فان لهذه المجتمعات ما تقدمه من قيمة مضافة في عالم القيم
سابعا : وحيث أن مفهوم تدافع القيم كما يتبناه المشاركون في الندوة يختلف عن مفهوم الصراع حيث ينصرف إلى مفهوم التفاعل الثقافي والقيمي والمجتمعي إيجابا أو سلبا بما هو عملية تاريخية وحضارية ضامنة لتحصين المجتمعات من القيم الميتة أي القيم البالية المنحدرة إلى مجتمعاتنا من عصور الانحطاط وأثبتت نهاية صلاحيتها والقيم القاتلة المحمولة على رماح الاستعمار القديم أو الجديد بما هي قيم الحاقية قسرية فوقية مفروضة بكل أنواع الأسلحة المادية أو الثقافية، يؤكد المشاركون على أهمية التدافع في مواجهة التحديات الفكرية والعلمية والثقافية واللغوية والأخلاقية والأسرية والاجتماعية :
- التدافع بما هو وعي بالتحولات القيمية والتحديات التي تواجهها منظومة القيم بما يقتضيه من دراسات رصدية علمية ميدانية للوقوف بموضوعية على المعطيات
- التدافع بما هو رصد الاستراتيجيات الاختراقية المقصودة التي تسعي إلى تغيير منظومتنا القيمية وإلحاق مجتمعاتنا بمنظومات قيمية تتعارض في بعض جوانبها الأخلاقية والدينية والأسرية بمنظومتنا القيمية
- التدافع باعتباره مبادرة وإبداعا في جميع مجالات المعرفة والثقافة والنظم الاجتماعية والسياسية والإبداع الثقافي والفني والإعلامي إبداعا يعبر عن هويتها وحقيقتها ويعزز هويتها ويقدم مصالحة بين قيم الحق والخير والجمال ويقدم صورة مشرقة للقيم الإسلامية وصورتها الحضارية الجميلة.
ثامنا : إن المشاركين في الندوة إذ يستحضر ون السياق الخاص الذي تنعقد فيه أي سياق الربيع العربي السياسي الذي كشف أن المجتمعات العربية لم تمت كما روج لذلك من فبل البعض ، وان الاستبداد ليس قدرها الدائم وأنها كانت تختزن بين جوانحها رصيدا هائلا من التشوف لتحقيق قيم الحرية والعدالة والمساواة والكرامة ، يؤكدون أن الشعوب العربية والإسلامية كما انه قد فاجأت العالم بقدرتها على إسقاط كل صور الاستبداد والتحكم ، فانه بإمكانها بالقدر الذي تتقدم فيه في تحقيق أهداف ثوراتها السلمية في الأصل فانه بإمكانها أن تستعيد مبادرتها وتسهم في مسيرة بناء الحضارة الإنسانية من خلال بوابة تدافع القيم آخذا وعطاء.


الرباط 6 شوال 1433 / 25 غشت2012