الأستاذة أمينة بوعياش والأخطاء الخمسة

كلمة الموقع

لا شك أن المرور الأخير للأستاذة أمينة بوعياش، الرئيسة الجديدة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، بقناة ميدي 1 تيفي قد خلّف صورة سلبية عن مدى قدرتها على التفاعل الحيادي مع واحدة من القضايا الحقوقية الإشكالية. خاصة أن الجسم الحقوقي كان يتطلع إليها لاقتراح معالجات متوازنة وإصدار مواقف حكيمة جديرة بمستوى مؤسسة دستورية من حجم المجلس الوطني لحقوق الإنسان، المؤسسة التي يعلق عليها المغاربة آمالا عراضاً للمساهمة في النهوض بالمسار الحقوق الوطني وتنميته.

وفي هذا الصدد، كان  الأولى بها الالتزام بما تلتزم به المؤسسة التي تتحدث باسمها من استقلالية في الرأي ومصداقية في المواقف واعتماد واجب التحفظ بشأن قضايا معروضة أمام القضاء. غير أنها لم تلتزم بذلك، فيما أدلت به من آراء نقدر أنها غير محايدة وغير جديرة بها وبمؤسسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، حين تعرضت لقضية الأخ عبد العلي حامي الدين حيث قالت إن "القضايا مثل هذه لا يوجد فيها من حيث حقوق الإنسان تقادم" و"أظن أن القضاء لم يحسم بعد لأنه فتح الموضوع" وسوغت إعادة المحاكمة التي بت فيها القضاء منذ 25 سنة بأحكام نهائية وأصدرت فيها هيئة الإنصاف والمصالحة مقررا تحكيميا واضحا.

وبذلك تكون السيدة رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان قد أنجزت خرجة إعلامية غير موفقة، نؤكد مرة أخرى أنها مسيئة إليها وإلى المؤسسة التي تمثلها. وواقع الحال، أننا آثرنا الانتظار لأسبوعين وعدم الرد، توقعا أن الأستاذة أمينة بوعياش ستبادر إلى استدراك تصريحاتها بالنظر لما أثارته من مواقف وردود فعل، غير أن شيئا من ذلك لم يحدث، وهو ما دعا إلى هذه الكلمة إزالة للغموض ورفعا للبس.

ويظهر عدم التوفيق في تصريحات السيدة بوعياش، من خلال عدة وجوه، أهمها:

 

أولا: التنكر لمقرر هيئة الإنصاف والمصالحة

إن المجلس الوطني لحقوق الإنسان هو الهيئة الوطنية المستأمنة على توصيات ومقررات هيئة الإنصاف والمصالحة بوصفها المؤسسة التي دبرت تجربة العدالة الانتقالية التي شهدها المغرب، لذلك كان حريا بالرئيسة الجديدة أن تستحضر المقرر التحكيمي  الصادر بخصوص قضية الأخ عبد العلي حامي الدين بتاريخ 30/11/2005، والذي كان ينبغي اعتباره مقررا يسدل الستار على هذه القضية كمثيلاتها من القضايا التي بتت فيها الهيئة. وإلا فما معنى العدالة الانتقالية ؟ وما معنى مقررات هيئة الإنصاف والمصالحة بالتعويض؟ وما معنى طي صفحة الماضي؟ وهل ستكون إعادة فتح هذه القضية مدخلا لإعادة فتح جميع القضايا التي بتت فيها هيئة الإنصاف والمصالحة؟. بالتأكيد فإنه سيكون سيئا لو فتحت كل القضايا من جديد كما فتحت قضية الأخ عبد العلي حامي الدين، وسيكون أسوأ أن تفتح هذه القضية دون باقي القضايا. وبذلك يكون تصريح رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان قد أساء إساءة بليغة للمسلسل الذي كان على الرئيسة أن تدافع عنه وتسبغ عليه حماية المجلس، بدل التفريط فيه، إن لم نقل أكثر من ذلك.

ثانيا: إهمال مقتضيات القانون الدولي لحقوق الإنسان

إذ أن من المهام الأساسية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها والتشجيع على إعمال مبادئ وقواعد القانون الدولي الإنساني، فإن رئيسة المجلس هي المعنية، قبل غيرها، باحترام المعاهدات التي صادقت عليها المملكة، ومعلوم أن الفقرة 7 من المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تنص صراحة على منع "تعريض أحد مجددا للمحاكمة أو العقاب على جريمة سبق أن أدين بها أو برئ منها بحكم نهائي وفقا للقوانين والإجراءات الجنائية في كل بلد''.

فكيف تأتى للأستاذة بوعياش، وهي الحقوقية المتمرسة، أن تغفل عن هذا المقتضى، وألا تحضرها مضامينه وهي تجيب على سؤال يقع في صلب التأطير الحقوقي للواقعة؟. والغريب أن يحضرها موضوع التقادم دون سبقية البت المؤطر كما ذكر باتفاقية أساسية جدير بكل حقوقي أن يتفاعل على أساسها مع كل القضايا ذات العلاقة. والأدهى والأمرّ أن تصرح السيدة الرئيسة بما مفاده أن قضية الأخ حامي الدين ومثيلاتها لا يوجد فيها من حيث حقوق الإنسان تقادم، والواقع أن الأمر يتعلق بجريمة عادية، وتصريح السيدة الرئيسة يسبغ عليها صفة جريمة من صنف الجرائم ضد الإنسانية، وهو خطأ لا ندري سببه ولا الداعي إليه، وفي جميع الأحوال يبقى هذا التصريح مثيرا للتساؤل حول هذا التكييف العجيب.

ثالثا: خرق قاعدة دستورية أساسية والمتمثلة في مبدأ قرينة البراءة

  ذلك أن السيدة رئيسة المجلس وهي تفتي بعدم تقادم القضية، فهي تدعم المتابعة وتنحاز إلى الأطروحة الاتهامية، وهو موقف يتنافى بشكل سافر مع المبادئ الحقوقية الأساسية وعلى رأسها قرينة البراءة التي لا يخفى أنها أصل من أصول المحاكمة العادلة وركن ركين من حقوق الدفاع، والتي يعتبر خرقها عدوانا سافرا على حق أساس من حقوق الإنسان.

رابعا: الإخلال بواجب التحفظ

كان الأولى برئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهي تخوض في قضية الأخ عبد العلي حامي الدين، أن تتذكر أن مهمتها ليست مهمة المدعي بالحق العام الذي يقع عليه واجب استصدار التهم، وذلك حفاظا على استقلالية المؤسسة المنوط بالرئيسة واجب صيانتها وفقا لمقتضيات القانون المنظم للمجلس الوطني لحقوق الإنسان.

والواقع أن الأستاذة أمينة بوعياش ظهرت من خلال أجوبتها ذات الصلة بالموضوع وكأنها تمارس مهمة أخرى لا علاقة لها بمسؤولية الانتماء للمجلس الوطني لحقوق الإنسان بَلْهَ رئاسته.

خامسا: ازدواجية المواقف

الغريب في الأمر، أن الأستاذة بوعياش حينما عُرِضت عليها قضايا أخرى جارية أمام القضاء كانت موفقة حين تمسكت بالتحفظ مسندة النظر للقضاء، لكن تغافلَها عن التحصن بواجب التحفظ في قضية الأخ عبد العلي حامي الدين، يجعلنا نتساءل لماذا الكيل بمكيالين، بتعبيرها عن مواقف متباينة في قضايا يجمع بينها نظر القضاء؟ وهو ما يجعلنا نتساءل عن سبب ذلك وبواعثه. وأملنا أن يكون الأمر مجرد سهو وخطأ غير مقصود، والأيام وحدها كفيلة بالكشف عن الخفايا وإظهار الخبايا..