الدكتور الخطيب.. الطبيب المقاوم الذي نذَر حياته لخدمة وطنه

الدكتور الخطيب.. الطبيب المقاوم الذي نذَر حياته لخدمة وطنه
الجمعة, 13. سبتمبر 2019 - 20:46

بالتزامن مع المؤتمر التأسيسي، لإحداث "مؤسسة الدكتور عبد الكريم الخطيب للدراسات"، اليوم الجمعة 13 شتنبر الجاري بالرباط، تحت إشراف حزب العدالة والتنمية مع أسرة الدكتور الخطيب وأصدقائه، وبحضور شخصيات وزانة تنتمي إلى عالم الفكر والسياسة، يقدم pjd.ma "بورتريه" عن أحد رجالات المغرب الكبار الذين أثروا الحياة النضالية والسياسية والعلمية والثقافية بالمغرب.

الدكتور عبد الكريم الخطيب، اسم يحمل تاريخا مليئا بعناوين المقاومة والكفاح والنضال لصالح وحدة المغرب واستقراره، حيث يعد من أبرز قياديي المقاومة وجيش التحرير، وأحد رواد الحركة الوطنية، الذين انخرطوا في الكفاح المسلح ضد الاستعمار.

فمن مقاومة الوجود الفرنسي بالمغرب، إلى الانخراط في الجهاد الأكبر لبناء المغرب الحديث، ومِن تقلّد وظائف سياسية هامة، إلى تأسيس حزب سياسي سيشكل قوة كبرى في الحياة السياسية بالمغرب.

عُرف عن الدكتور الخطيب، الذي انخرط في دعم المقاومة، ضد المستعمر، لما كان طبيبا يقدم إسعافات لعدد من المقاومين، صرامته وتشبثه بمبادئ الدفاع عن الملكية وثوابت البلاد مهما كلفه ذلك من ثمن، وكان مثار جدل واسع بسبب تصريحاته ومواقفه الجريئة في عدد من القضايا السياسية.

بداية المسار

ولد الدكتور الخطيب في 02 مارس 1921 بمدينة الجديدة، فوالده هو الحاج عمر الخطيب، الذي اشتغل ترجمانا إداريا، أما أمه السيدة مريم الكباص فقد كانت حافظة لكتاب الله كما عرفت بشخصيتها القوية وثقافتها الواسعة.

بدأ نبوغ الخطيب يظهر منذ بداية الأربعينيات، حيث أسس رفقة بعض إخوانه الكشفية الحسنية وهو لم يصل سن العشرين بعد، وتفرع نشاط الكشفية في جل مناطق المغرب مما دفع سلطات الحماية إلى منع الزي الكشفي لما كان يرمز له من قيم وطنية.

انتقل إلى الجارة الجزائر، ودرس الطب في مدينة الجزائر العاصمة، لمدة أربع سنوات، وكان ممثلا للطلبة المغاربة في شمال إفريقيا، حيث ترأس جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا.

إثر ذلك، انتقل الدكتور الخطيب إلى كلية الطب بالسوربون، وعمل في مستشفى " فرانكو موزولمان " لمدة 6 سنوات، وأثناء مقامه هناك كان يسهر على جمعية مغربية تسمى دار السلطان، وفيها وشحه محمد الخامس رحمه الله بوسام من درجة فارس، وكان الطالب الوحيد الذي حظي آنذاك بهذا الشرف تقديرا لجهوده وأنشطته لصالح بلاده.

وبعودته من باريس سنة 1951 أصبح الدكتور الخطيب أول طبيب جراح في المغرب حيث فتح عيادة بطريق مديونة بالدار البيضاء.

طبيب في جبة مقاوم

برز اسم الدكتور الخطيب في صفوف الحركة الوطنية، خلال أحداث سنة 1952 بالدار البيضاء، أو ما عرف آنذاك بأحداث "كريان سنطرال"، فاتخذ من مسجد صغير مكانا لعلاج المغاربة الذين فتكت بهم بندقية المستعمر، ليبدأ كفاحه بعد انتهاء العملية الدامية التي أسقطت عددا كبيرا من المغاربة الأحرار.

بدأ الراحل الخطيب، جمع الأموال وتسليمها للمقاومة  بشكل منتظم، ثم التقى بأبطال المقاومة، محمد الزرقطوني ومحمد منصور وعبد الله الصنهاجي، لتتبلور فكرة تنظيم المقاومة وجيش التحرير في الجبال المغربية الشمالية، فكانت الانطلاقة بتأسيس قيادة جيش التحرير المعروفة بـ "لجنة تطوان"  التي ضمت أبرز رجالات الحركة الوطنية كالمقاوم علال الفاسي والحسين برادة والدكتور المهدي بنعبود، فضلا عن الدكتور الخطيب.

وبعد أن ذاع صيت "لجنة تطوان" وحنق المستعمر عليها، انتقل النضال إلى تنظيم آخر عرف باسم مجلس الثورة المغربية،  وهو مجلس تكون من 27 عضوا ترأسه الخطيب، وضم عبد الرحمان اليوسفي وعباس المساعدي وعلال الفاسي، وغيرهم من قادة الحركة الوطنية وجيش التحرير.

حلم التحرر

حلم الدكتور الخطيب بالتحرر والانعتاق من الاستعمار الظالم لم يبق حبيس المغرب، بل انتقل إلى الجارة الجزائر، فقام بالتنسيق مع المقاومين في الجارة الشرقية، وتوج ذلك بتأسيس لجنة عليا مغربية جزائرية تشكلت من الجانب الجزائري من أحمد بن بلة ومحمد بوضياف، فيما مثلت فيها قيادات وطنية مغربية ذات حجم كبير مثل عبد الرحمن اليوسفي والدكتور الخطيب وغالي العراقي.

الوظائف

اعترافا لجهوده في الدفاع عن وحدة الوطن، وعرفانا له بما قدمه في سبيل استقراره، تقلد الدكتور الخطيب عدة مناصب بعد الاستقلال، حيث  عينه الراحل الملك محمد الخامس وزيرا للتشغيل والشؤون الاجتماعية وبقي في هذا المنصب حتى  في عهد الملك الحسن الثاني، قبل أن تسند له الوزارة المكلفة بالشؤون الإفريقية.

كما شغل الدكتور أيضا، منصب وزير الصحة، كما كان رئيسا لأول برلمان عرفه التاريخ المغربي الحديث سنة 1963، واستمر في هذا المنصب إلى غاية 07 يونيو 1965 تاريخ إعلان الملك تطبيق الفصل 35 من الدستور الذي يقضي بفرض حالة الاستثناء.

بعد الاستقلال، خاض الدكتور الخطيب نضالا آخر، ليس بالسلاح، وإنما بالنقاش والفكر، وذلك للوقوف سدا منيعا أمام قيام نظام الحزب الوحيد في المغرب، فواجه ذلك بتأسيس حزب الحركة الشعبية في أكتوبر 1957، وتوج نضاله بإصدار ظهير الحريات العامة سنة 1985.

إشعاع قاري ودولي

إشعاع الدكتور عبد الكريم الخطيب  لم يقف عند حدود وطنه المغرب، بل تعداه إلى دعم حركات التحرر المغاربية وأساسا الجزائر، حيث ترأس لجنة عليا مغربية جزائرية للتنسيق بين المقاومتين المغربية والجزائرية، كما ساند حركات التحرر في إفريقيا خاصة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بجنوب إفريقيا بقيادة زعيمه نيلسون مانديلا الذي حافظ على علاقات متينة معه.

كما ساند الدكتور الخطيب القضية الفلسطينية، حيث تأسست الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني في منزله، إضافة لمساهمته في تشكيل الجمعية المغربية لمساندة البوسنة والهرسك.

وعلى المستوى الوطني، أسس الدكتور الخطيب حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية سنة 1967، للمطالبة بإنهاء حالة الاستثناء والعودة للعمل بالدستور واستئناف المسلسل الديمقراطي، وهو الحزب الذي حمل بعد ذلك اسم العدالة والتنمية بعد انضمام مجموعة من شباب الحركة الاسلامية لصفوفه، حيث سيتولى أمانته العامة إلى غاية عام 2004، قبل أن تسند له رئاسة الحزب ورئاسة لجنة التحكيم فيه، إلى أن وافته المنية وغادرنا إلى دار البقاء رحمه الله سنة 2008، مخلفا وراءه إرثا حضاريا وإنسانيا مازالت تتغنى به الأجيال الصاعدة، فكان مثالا للمناضل الشهم، والمقاوم الفذ، والطبيب الإنساني.

التعليقات

أضف تعليقك