عبد النبي أبو العرب: الإصلاح القيمي كمدخل للنموذج التنموي الجديد (2)

د. عبد النبي أبو العرب
الأربعاء, أكتوبر 2, 2019 - 17:15
عبد النبي أبو العرب: الإصلاح القيمي كمدخل للنموذج التنموي الجديد (2)

تتمة لما تطرقنا إليه في مقال سابق حول أهمية القيم كركن أساس في بناء صرح المجتمعات، وكمضمون أوحد يكفل توجيه سلوك الأفراد والأسر والجماعات نحو إنتاج السلوكيات والأفعال البناءة والإيجابية بالمفهوم الحضاري للمجتمعات، نهتم في هذا الكتاب بقيمة أساسية أخرى، وهي قيمة أداء الواجبات قبل طلب الحقوق.

ونعني بهذه القيمة أن يترسخ في قلب الأفراد ومعتقداتهم وأفعالهم الإيمان بأداء الواجبات على أحسن وجه وإتيان المطلوبات منهم على أفضل صورة، وذلك قبل التفكير منهم في الاستفادة من حقوقهم المكفولة أو حظوظهم المضمونة بالطبيعة أو بالاصطلاح.

إن أهمية هذه القيمية عظيمة وكبيرة وبانية ولا يمكن تجاوزها أبدا، بل هي سابقة ومؤسسة لما بعدها، ذلك أنه ما لم يقم كل فرد بأداء واجباته، التي هي بالضرورة حقوق للأخرين، أي للمجتمع، فإن الحصيلة الجماعية تكون كارثية، حيث لا تجد شيئا قائما أو منجزا، فلا تجد نظافة ولا تطبيبا ولا تدريسا ولا عدلا ولا خدمات...لا تجد شيئا في مستوى انتظارات أصحاب هذه الحقوق المشروعة ما دام من يقوم عليهم أدائها أخلوا بواجبهم إزائها.

نعم، إن عددا من المظاهر التي نعيشها يوميا إنما نجد دائما ورائها أفرادا ضيعوا واجباتهم وأخلوا بفرائضهم. فالحامل التي تضع مولودها على باب المستشفى عوض قاعة الولادة ضاع حقها على ذمة أفراد لم يقوموا بواجبهم في القيام بخدمات هذه المؤسسة، وغياب النظافة في أزقتنا تقع ذمتها على أشخاص يرمون القمامة على قارعة الطريق أو أخرون يحرقون حاوياتها أو أخرون لا يجمعونها وينظفون أطرافها كما يجب، والحماية من المنتجات الغير الصحية التي تتسرب إلى بيوتنا وأجسادنا حق ضاع على ذمة أشخاص لم يقوموا بالمراقبة اللازمة أو أخذوا ثمنا بخسا مقابل الترخص الغير المشروع لها، والأمثلة لا تنتهي ...

وعليه، يظهر أن القيمة الحضارية لهذه القاعدة لا تقدر بثمن، حيث يُمكِن العمل بها من القطع نهائيا مع أي مظهر من مظاهر التقصير في الأعمال والأشغال والأفعال والواجبات. فماذا لو استطعنا أن نغرس في نفس كل فرد ومجموعة ومؤسسة عقيدة وسلوك أداء الواجب؟ إن الأثر من وراء ذلك سيكون من والجمال والإتقان ما يشبه الكمال، حيث سيتأتى تلقائيا لكل واحد حقه ونصيبه ومطلوبه من الحق العام، الذي هو تلقائيا مجموع ما يؤديه أفراد أي مجتمع من واجبات متبادلة بينهم.

إن هذه القيمة هي ما سيدفع كل فرد إلى طرح السؤال الاتي أولا : ما المطلوب مني القيام به وكيف أقوم به على الوجه الأكمل؟ قبل أن يتساءل عن حقوقه ويبحث عن إشباع أنانيته. وفي هذا الصدد نتذكر قولة الرئيس الأمريكي كينيدي الشهيرة وهو يعمل على شحذ همم الأمريكيين على العمل والجهاد والعطاء حينما خطب فيهم "لا تسل عما يمكن لبلادك أن تقدم لك، بل عما يمكنك أن تقدم لبلادك."

ومن تبعات هذه القاعدة، قيمة الصدق في الموقف، "قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ" في إقامة الميزان في علاقة الفرد بحقوق الغير القائمة عليه. فكل فرد يجب أن يسائل الحقوق والعائدات التي يستفيد منها في ميزان أدائه لواجباته وعطائه للأخرين؛ هل فعلا أدى واجباته والتزاماته وما تُعهِد عليه على أحسن وجه، قبل أن يسمح لنفسه بالاستفادة والتنعم بما يعود إليه من متوفرات، البعض منها أصبح من النعم المنسية، على الرغم من عظم دورها في ميزان الحقوق والرفاه والمتاع من شبيه توفر الماء والكهرباء والأمن...

وهنا لا بد من التوضيح أن تربية الأفراد على أداء الواجبات لا يعني دعوتهم إلى التنازل عن حقوقهم أو نصيبهم فيما يجب أن يعود لهم طبيعة أو اجتماعا، فنكون قد صنعنا مجتمعا خانعا ذليلا، وإنما نتوخى من وراء التأكيد على هذه الأولوية والتراتبية في عقل وقلب الأفراد بتقديم أداء الواجب على طلب الحق التحسيس والإقناع بأهمية هذه القاعدة كمفتاح جماعي ناجع في إشاعة العمل المتقن والأداء الأمثل للأعمال والواجبات، وكركن مؤسس لأي معمار أو حضارة، يوفران الرفاه والعيش الرغيد.

التعليقات

أضف تعليقك