الرحموني يكتب : ملامح من الإصلاح السياسي والحزبي : بصدد مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني

قراءة : (203)


خالد الرحموني*
‪ ‬
1-   السياق السياسي والاديلوجي للمؤتمر: التأمل الهادئ في النموذج
 
‪   ‬مع التئام فعاليات المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني، نكون أمام تطور نوعي اكتملت حلقاته، ومعه نتطلع كأمة وشعب ونخب لاستلهام ملامح النموذج القائد لتجربة الانفتاح الاقتصادي والإقلاع التنموي الفريدة في عالمنا الحديث والمعاصر، والمنطلقة منذ سبعينات القرن الماضي وبالضبط سنة 1978 بعد وفاة ماو تسي تونغ وتسلم دينغ سياو بينغ مقاليد السلطة .


-  بداية من ذلك التاريخ يمكن اعتبار التجربة الصينية نموذجا ملهما للدول النامية التي بصدد تحقيق إقلاعها الاقتصادي، وهي في سبيلها لتكون قوة اقتصادية صاعدة منافسة للقوى الاقتصادية الكبرى في العديد من الميادين. وقد استفادت في تحقيق ذلك من مؤهلات طبيعية وبشرية وبالاعتماد على آليات اقتصاد السوق على النمط المميز والفريد وذو الملامح الصينية الذي مكنها من الانخراط في دينامكية العولمة المعاصر المحافظ على الخصوصيات الحضارية والتاريخية للأمم  .


- ينعقد مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني ونحن في خضم النقاش الدائر حول مصائر البشر بشكل عام، وفي العالم الرأسمالي –بالأخص- والطافح بآثار الأزمة المالية والاقتصادية التي تحيل على أزمة أعمق تتبدى في نمط العيش ونمط الحياة الغربية الاستهلاكية برمتها، والذي يطرح سؤالا وجوديا وفلسفيا حول أزمة النموذج الرأسمالي برمته ،والحدود العلمية والأخلاقية لهذا النمط من الأنساق الليبرالية الكلية ، اديلوجيا وسياسيا وحتى اقتصاديا .


-   وسياق الانعقاد أيضا يضعنا بصدد مجريات وآثار الانتخابات الأمريكية وما بسطته من قضايا ونقاشات، انكفأت فيها أمريكا القوة العظمى في العالم على داخلها وذاتها وأسئلتها. ومن المفيد لنا في هذا السياق النظر إلى إدراك طبيعة وماهية التحول السياسي الغامض لكن الأكيد، الذي حدث ويحدث في جمهورية الصين الشعبية التي تغرد فريدة في سماء السياسة الدولية والنظام الدولي، وهو ما يذكرنا فكريا بفوائد الديمقراطية الفوضوية لا الأداتية والإجرائية التي تختزل إلى انتخابات وعمليات حسابية ،وكذا يحيلنا على أساليب نزعة العفوية والشعبوية في السياسة بالمعنى الايجابي للمفهومين، والتي تكون أحيانا ذات أثر غير متوقع في الغالب على الوضع الداخلي والمكانة الخارجية للدول و للاديلوجيات والتنظيمات والحركات السياسية والاجتماعية ‪. ‬
‪ ‬
2-   الانتقال السياسي السلس للسلطة: العبور الآمن فوق الايديلوجيا  
‪ ‬
  إنه للمرة الأولى وعلى الصعيد السياسي، خلال أزيد من عقد من الزمن وبعد أحداث ساحة تيان امين وانهيار المعسكر الشرقي وتفكك منظومة الدول الاشتراكية، تواجه الصين تحولا سياسيا واديلوجيا فارقا ومميزا في الانتقال السياسي على مستوى الدولة كما الحزب، الانتقال السلس لتسليم السلطة للقيادة الجديدة المميزة بشكل مختلف من سابق للاحق، واستعداد الرئيس الصيني هو جينتاو، لتسليم السلطة إلى شى جين بينج، خليفته المعد والمهيأ بعناية لتسلم ذات الموقع القيادي داخل الحزب والدولة معا، وقد أعد لهذا الأمر ومنذ فترة طويلة. لكن، تحت هذا السطح المعد سلفا والسقف المرتفع، ما زالت العديد من القضايا والإجراءات والأفكار، النقاش حولها محتدما والصراع بشأنها متخفيا ضامر غير ظاهر، ومع انعقاد المؤتمر الثامن عشر في دورية الالتئام للحزب الشيوعي الصيني، والمقرر ابتداء من الثامن من نوفمبر الجاري 2012، نكون أمام موعد حاسم ومحدد لأفاق الانتقال السلس في بنية السلطة في الحزب والدولة الصينيين، ولكن بملامح صينية خاصة لها قسمات سور الصين العظيم وتجدر الثقافة الكنفشيوسية العتيقة‪.


والمطروح في جدول أعمال المؤتمر قضايا ثقيلة وملحة على رأسها ليس فقط تأمين الانتقال السلس للسلطة السياسية وكذا السلطة الحزبية من موقع التطوير والتنظيم للبنيات الحزبية القيادية العليا فقط، ولكن بالمؤكد ،ومن خلال النقاشات الهامشية التي استقيناها أثناء زيارتنا للصين مؤخرا، هو إعمال آليات المراجعة العميقة للسلطة الفعلية وحجم ونطاق السلطة التنفيذية شرعية وامتلاكا وصلاحيات، وكذا حدود الإشراف على المؤسسات السياسية والمدنية وأساسا في قلبها المؤسسة العسكرية، وبالقطع سيتم التوافق على إحداث تعديلات جوهرية على مستوى الدستور الصيني بإضافة مواد دستورية جديدة تتكيف مع هذا التطلع والتمدد في بناء السلطة وتحديدها ! ومن المعتقد أن قادة الصين كانوا قد تناظروا وتناقشوا مليا حول كل هذه القضايا عشية انعقاد مؤتمر الحزب، بعيدا عن الإعلام والصحافة والفضاء العام، ووراء ستارات و أحجبة السرية والكمون الذين يغذيان لغة الشائعات وتذكيان منطق التخمينات والتساؤلات ‪..‬


والمتوقع من ذات المؤتمر أنه سوف يغير شكل القيادة الحزبية ويضفي على التحول السياسي المقبل بعدا آخر جديدا، فمعظم أعضاء الجهازين الرئيسيين فى البلاد؛ وهما الهيئتان التنفيذيتان الرئيسيتان في الحزب، اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب واللجنة العسكرية المركزية- باعتبار أن الدولة أداة بيد الحزب الشيوعي الصيني ولا تنفصل عنه -.
والمدهش والمثير هو شح المعطيات ذات الصلة ،ومدى ضعف معرفة حتى أفضل الخبراء بآلية سير النظام السياسي ككل، وبالتحديد الكيفية التى سيتم بها اتخاذ هذه القرارات الفاصلة في الحياة السياسية الصينية ،على الرغم من الانفتاح الظاهر والبين الذي يؤطر الحياة العامة الصينية في الميادين الاقتصادية والتجارية والعلمية وو، ربما يظل الامر وفاءا لمنهج قديم عندهم هو أن النموذج الصيني السياسي والتنموي يمضي بسرعتين ،حيث يتبدى النظام ذو الملامح الصينية متحركا بإيقاعين ،حيث الانفتاح له معنى اقتصادي وتجاري لا سياسي وفكري‪.‬
ونظرا لافتقار الصين إلى الانفتاح المطلوب على المدى السياسي والى الشفافية في أسلوب تدبير حركية النظام وتحديد اليات اتخاذ القرارات السياسية، فانه غالبا ما يترك هذا الموضوع لمنطق الغموض ولمراقبى التجربة الصينية سواء المعجبين بها أو حتى الناقمين. ولكن المخاطر السياسية فى بكين لهذا الغموض تعتبر جلية ومهمة بالنسبة للعالم ،بنفس قدر أهمية الانتخابات الأمريكية وأثارها المحتملة على عالمنا العربي وبلداننا الناهضة ،على اعتبار أن الصين تعد ثاني أكبر اقتصاديات العالم، وتعتبر من القوى العظمى في العلاقات الدولية في العصر الحالي .
 
3-   المؤتمر وأسئلة المرحلة سياسيا وقياديا :
 
أسئلة تطوير البنية القيادية ،الاحتراف السياسي ، تدبيرعلاقة الاجيال ،التخلص من أعباء البيروقراطية،الفعالية الانجازية ،تحزيب الدولة ودولنة الحزب،الحضور في العالم :
  ويمكن في قراءة استطلاعية في أصلها، وافتراضية  في استخلاصاتها الاستشرافية، لبعض الاحتمالات التى يطرحها عديد من الخبراء بالشأن السياسي الصيني، والتطورات المحتملة بصدد المؤتمر المنعقد حاليا للحزب الشيوعي الصيني والمخرجات المنتظرة لقراراته بصدد حجم وحدود السلطة السياسية، ونطاق الإصلاح المفترض داخلها ‪:‬


أ‌-      السؤال الأول :
إصلاح البنية القيادية للحزب ودورها في تطوير قدرات النظام السياسي داخليا وتعزيز مكانته دوليا.
يطرح سؤال جدي ومحدد حول التركيب العضوي للقيادة الحزبية وحجم البنية السياسية المسيرة للحزب وتوجهاتها أفكارها مواقفها في القضايا الكبرى كما يلي : ما هو الحجم المتوقع للجنة الدائمة للمكتب السياسى للحزب الشيوعي الصيني ؟ في النقاشات المتداولة داخل بعض الاوساط فان الشائعات تنحو في اتجاه إنه سيتم تخفيض العضوية من تسعة أعضاء الحاليين الماسكين بدولاب التدبير السياسي والتنظيمي للحزب وبمقاليد البلاد برمتها،لتشملها إلى تقليص تلك البنية الى سبعة أعضاء فقط وأن الحقيبتين اللتين سيتم إلغاؤهما هما الدعاية وإنفاذ القانون .
يقول شينج لى، الباحث السياسي فى شئون الصين بمعهد بروكينجز مؤكدا هذا المنحى، إن قرار إلغاء هذين المنصبين، وتخفيض العضوية من تسعة إلى سبعة، يرتبط بشكل وثيق بالإصلاح السياسي الجاري التفكير فيه ،بل إنفاذ إجراءاته وتطبيق تدابيره منذ زمن بعيد ‪.‬


وعلى الرغم من ذلك تظل الصين دولة محافظة سياسيا وأمنيا منكفئة داخليا حتى بتلقيح نمطها بجرعات إضافية من انفتاحها اقتصاديا وتنمويا، وهذه هي المفارقة في النموذج العصي على الاستيعاب من قبل البعض من النخب المستلبة بالنموذج الليبرالي في الانفتاح السياسي والديمقراطي، و حتى لو كان الدعاية وإنفاذ وتطبيق القانون أقل وضوحا من حيث نطاق المسؤولية السياسية داخل المكتب السياسى للحزب الشيوعي الصيني،فإنهما ملفين مركزيين حيويين بالنسبة لبلاد يرتبط بها النظام الاقتصادي العالمي الجديد. وربما تكون المحافظة السياسية للنخبة المسيرة للحزب والدولة أكثر حدة، على الرغم من البعد التجديدي في الأطروحات الفكرية والأبعاد المنفتحة للنموذج التنموي والمنظور الاقتصادي، تلك المفارقة تتبدى بعمق وجلاء خصوصا مع وجود مجموعة مسيرة مقلصة ومحدودة يمكن أن تصل بسهولة أكثر ويسر أكبر إلى توافق فى الآراء والاتجاهات بشأن المواضيع الإستراتيجية الشائكة والأكثر حساسية على مستوى الأمن الاستراتيجي للبلاد. ولكن الضغوط من أجل التغيير تتراكم من قبل النخب الشابة المتطلعة داخل الحزب الشيوعي والبلاد ايضا لتوسيع مجال المشاركة في اتخاذ القرار.
وتتكون هذه النخب من الوجوه الجديدة  الشابة والتي تضم خمسة أو سبعة أعضاء جدد، اعتمادا على حجمها‪.‬
ب‌-  السؤال الثاني :
علاقة الاحتراف السياسي بالفعالية الانجازية ،أو تدبير علاقة الاجيال داخل الحزب والبلاد برمتها ،
فهل سيحتفظ الرئيس المتقاعد، هو جين تاو، بمقعده فى اللجنة العسكرية المركزية؟ لقد احتفظ سلفه جيانج تسه مين، بقبضته على الشئون العسكرية بنفس الطريقة، وربما يرغب مين فى اتخاذ هذه المكانة والإشراف، وأيضا ــ بما يحد من قوة الرئيس الجديد، شى ،ويضبط حدود جموحه وطموحه السياسي. لكن الأمر هنا أيضا يتعلق بالتغيير وايقاع الاصلاح السياسي الجاري مند مدة بهدوء وببطء.
ومن المرجح أن تكون الغالبية العظمى من أعضاء اللجنة العسكرية - وعددهم 12 عضوا- من الوجوه الجديدة حسب بعض القيادات الشابة الحالية وكذا بعض القراءات. مما يكسب النظام مزيدا من التوازن السياسي في حركيته بين الانفتاح الاقتصادي المنطلق والاصلاح السياسي المراقب والحضور الدولي الوازن، وهو ما يمثل تحولاً كبيرًا للبنية السياسية وبالتحديد العسكرية الصينية؛ التى كانت باستمرار أكثر حزما بشأن قضايا استراتيجية مثل بحر الصين الجنوبى وتيوان والعلاقات مع اليابان وكذا التعامل مع القوى الكبرى في العالم وقضايا السياسة الدولية الساخنة –الان ملف سوريا والموقف من الثورات العربية - ‪.‬
   ج- ‪ ‬السؤال الثالث :
هو مسؤولية التخلص من أعباء البيرقراطية التي تبطئ حركية النظام وتشل قدراته داخليا ،والاصرار على تعميق الاصلاح السياسي التدريجي،
ويمكن تجلية ذلك البعد من خلال طرح الاستفهام التالي :
هل سيمكن معالجة مشاكل الفساد المالي والاقتصادي ومعضلة المحسوبية والرشاوي الكبرى وعائق الزبونية وقيد البيرقراطية التي رافقت مرحلة التخطيط المركزي للدولة والمنظور الاشتراكي التقليدي لتسيير شؤون الدولة والمجتمع هنالك، أقول هل يمكن معالجة كل تلك الاعطاب والاختناقات مع الحفاظ على ملامح النظام الصيني كما تشكل في التاريخ بتفرده وتميزه كنموذج صاعد يبصم القرن الحالي، فاذا كان القرن العشرين امريكيا بامتياز فان القرن الواحد والعشرين اسيويا بالأساس ، جملة من تلك الاعطاب والمشاكل التي شوشت عل النموذج كانت قد  تفجرت أخيرا فى فضيحة بو شى لاى فبراير الماضى من سنة 2012. وقد بذل الصينيون حتى الآن جهودا مقدرة ومعتبرة لاحتواء تداعيات التخلص من نخب الفساد وفي طليعتهم بو، رئيس حزب تشونجتشينج، الذى يتمتع بحضور جماهيرى مقدر.


 ويرى شينج لى، الخبير السياسي في معهد بروكينجز، أن هنالك  انقسامًا حادا وعميقًا يشق الحزب فالدولة تبعا لذلك، بين الفصائل والتيارات داخل الحزب الشيوعي بصدد تلك القضايا ،والخلاف عمودي يشق التيارات المتصارعة في الخفاء والعلن أيضا، ويمكن التدليل عليه في الخلاف بين هو - الذى يتغلغل أتباعه فى عصبة الشبيبة الشيوعية- وجيانج -وغالبًا ما يوصف أنصاره من النخبة بأنهم من الأمراء أي الذين استفادوا من المراكز الرسمية للحزب الشيوعي الصيني وراكموا من خلالها امتيازات وثروات ومنافع ونفوذ داخل بنيات الدولة ومؤسساتها - ‪.‬
ويمتد الخلاف الفكري والسياسي بين المحازبين والاكتل الى الجزم بأن التيار المتشكل حول وى جيانج  ينظر الى أن حظور الصين فى العالم يتركز على  التطور السريع المستمر في نموها والانفتاح أكثر في نموذجها الاقتصادي والتنموي واصلاح نظامها السياسي بسرعة أكبر وجرأة أعمق، فى حين أن تيار هو يتشدد في ضبط التنظيم الحزبى ويميل لللمحافظة أكثر وينحاز للحفاظ على الأمن الداخلى لمراقبة الاضطرابات التى تصاحب النمو السريع، وبالتالي فهو يميل لدور جد محافظ للدولة ويراها تدخلية متحكمة تراقب بحذر التطور الاقتصادي وتهيمن على الاصلاح السياسي الحذر والمسيج والمضبوط.
 وبالرجوع إلى تفاعلات المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني، فإن الرهان المركزي والمحدد لنجاحه هو بالضبط العمل على سد هذه الفجوة والتقريب بين هته الاجنحة المتصارعة في خفاء وايضا تتجلى للعلن، هذا هو التحدي السياسي الذى يواجه شى، ويبدو أنه ماهر جدا في الامساك بخيوط الاستجابة له ورفعه. وليس هناك مجال للشك أن شي  بنفسه يعد من من التيار المسمى الأمراء ،فوالده كان أحد المستشارين القريبين من ماو تسى تونج ، لكنه أيضا بنى علاقات قوية مع معسكر هو جين تاو‪. ‬
  ح- السؤال الرابع :
علاقة الحزب بالدولة ،الفصل وحدود الوصل
هل سيقوم الحزب بالبحث والحسم في التغييرات السياسية العميقة فى بنية الدستور،بالشكل الذي يحافظ فيه الحزب على مسافة ضرورية من مؤسسسات وبنيات الدولة، أم ستظل الدولة خادمة وتابعة وواجهة للحزب ولعصبة المسيرة له، أي لحكم القلة المتنفذة في الحزب والدولة ما حدود القانون والدستور والمؤسسسات والادارة والمسؤوليات والمسؤولين مع القيادات الحزبية والترتيبات الداخلية واللائحية للتنظيم أكثر مركزية في التاريخ الحديث والمعاصر، ربما المؤتمر سيؤكد أن الحزب تابع للدولة لا العكس، لكنها مسيرة تحول عميق على الرغم من عناده في أحايين كثيرة، يتوقع لى، من خلال بعض تصريحاته المذاعة والمنتشرة ،أن تكون هناك قرارات بأن يكون الحزب تحت القانون وليس فوق القانون، يشتغل كمؤسسة منفصلة عن الدولة لا متحكمة في دواليبها متوغلة في مفاصلها محددة لديناميتها‪.‬
ما يؤكد هذا المنحى هو الترقب والاضطراب الواضح في ساحة الصين وداخلها ،لمسنا ذلك حين زيارتنا لها في سالف من أيام، وتبدى لنا أن هنالك حركية فكرية ناقدة لجيل الشباب وهيجانا سياسيا ملفتا بالرغم من كمونه، وتفاعلات تنظيمية للتيارات المتصارعة تموج تحت سطح السياسة الصينية الهادئة، وهذا التحول البطيء والانتقال الهادئ تكشف بوضوح مؤخرا بالنقاش الذي كان دائرا حول تراكم الثروات الطائلة لقادة الحزب من نخبة الامراء وزمرة القادة المحافظين والتقليديين : وكمثال على ذلك فقد ذكرت مؤسسات بحثية عديدة وتداولت صحف كثيرة ومنابر اعلامية مختلفة ،في ابان زيارتنا للصين الشعبية فى مطلع الشهر الماضي من هته السنة ، ان عائلة شى لوحدها تمتلك أصولاً تجارية وأرصدة مالية وعقارات تقدر بنحو مليار دولار أمريكي ؛ وفى الفترة القليلة الماضية نشرت صحيف دولية موثوقة في تحرياتها – نيويورك تايمز- أن عائلة ون جيا باو، رئيس الوزراء المنتهية ولايته، تمتلك أصولاً بنكية وأرصدة مالية تبلغ 2.7 مليار دولار، ولا شك أنه يمكن أن نورد حكايات مماثلة عن معظم كبار القادة المتنفذين في الحزب والدولة معا ومدى بذخهم الفاحش وثرائهم الزائد ونزوعهم النزوي الذي فات كل الحدود ،وجشعهم الذي حاوز القانون وتوسل بأجهزة الدولة ليراكم الثروات بلا قيود ‪.‬
 
على سبيل الختم
 
‪ ‬وعلى نحو ما، سيكون على هذا النمط من القيادات أن تغادر المشهد السياسي والحزبي العام للصين ، وأن تترك للجيل الشاب الجديد فرصة وامكانية تحديد مسار ووجهة دولة الصين الشعبية ثانى أكبر اقتصاد في العالم، وخلال الأسبوعين المقبلين عقب المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني ،أعتقد أننا سنكون أمام تقدم آخر يحرز في النموذج الصيني ،لكن هته المرة في بعده السياسي مما يحتم علينا أن نستمر في دراسة  النموذج برمته ونتطلع الى افاقه كلها ‪.‬،ونعمق الصلات بصانعيه ،كدولة ومكونات لمجتمع ناهض .
 
*عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية