‎‫محمد عصام يكتب: الرمال بين إعلان المقالع ... وحرب المواقع‬‎

قراءة : (1811)

12-11-19  
كما كان متوقعا خلف إعلان وزير التجهيز والنقل عن لوائح المستفيدين من المقالع نقعا كثيرا، حجب الرؤية عن المتتبعين وأصاب العديدين منهم بحالة من الدوار الناتج عن تباين وجهات النظر وتضادها  إلى درجة السريالية، وانبرت  أقلام ومن مواقع كثيرة وحسابات مختلفة لتبخيس عملية الإعلان تارة باعتبارها عملية محكومة بدوافع شعبوية ضيقة، ومرة بالتشكيك في جدواها، ومرة أخرى باللمز في توقيتها.


إن المتأمل في هذا السيل من التشكيك الذي وصل درجة الإسهال، ليس فقط في رائحته الكاشفة عن نوايا مقترفيه وخلفياتهم، والتي وإن تعددت فإنها مجمعة على إفراغ هذه المبادرة من مضامينها -باعتبارها استجابة إرادية لسياق عام يدفع في اتجاه بناء أسس الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة انسجاما مع تطلعات المرحلة التي عبرت عنها الوثيقة الدستورية المتعاقد بشأنها من طرف المغاربة في استحقاق فاتح يوليوز- ولكن أيضاً باعتبار المواقع التي اختارها هؤلاء بوعي أو بغير وعي، ذلك أن التموقع في صف المشككين هو ركون إلى خندق الفساد والمفسدين  ودفاع بالوكالة عن جيوب المقاومة واصطفاف لجانبهم.


ونحن إذ نقر بهذه الخلاصة لا نتجنى على النوايا، ولكن نحاكم الأفعال بمقتضيات المرحلة ومتطلباتها، إذ أن هذه الإرادة التي عبرت عنها الحكومة في مجموعة إجراءات ضمنها ما أقدم عليه وزير التجهيز تقتضي من الأطراف الأخرى باختلاف مواقعها إن كانت جادة في إرادة التغيير، أن تدعم هذا المسار لا باعتباره خيارا للحكومة أو لفيصل معين داخلها، وإنما انسجاما مع تطلعات الشعب المغربي في تنقية فضاءاته العمومية من أردان الفساد وتكريس مبادئ الشفافية. إن التشكيك في مثل هذا الإجراء لا يمكن أن يفهم إلا في سياق تبخيس إرادات التغيير، وبالتالي تأبيد حالة التيئيس ومصادرة حق المغاربة في إمكانية صنع وجه جميل لبلدهم بالشكل الذي يرتضونه.


قد يكون مفهوما أن هذا الإعلان في غياب إجراءات مصاحبة قد يكون كاستهلال لا تعقبه حياة، ولكن التذرع بهذا المنطق لتبرير رفض الإعلان أو التنقيص منه لا يكون مفهوما إلا باستحضار خلفيات أصحابه والتي كما أسلفنا وإن كانت متعددة فإنها تتفق في انغلاقها على استبطان رؤية سياسوية ضيقة، ترى في نجاحات الآخر فشلا لها، وبالتالي فإن أي إجراء سيحسب  لهذا الآخر يجب التصدي له والتشكيك فيه وإن اقتضى الأمر الترافع عن خصوم الوطن بذرائع  لا تفي حتى بإقناع الذات فبالأحرى أن تنتصب لإفحام الآخرين.


من هنا، فإن من حقنا أن نتساءل ما الذي يجمع هذا الطيف المتعدد الألوان والمتباين المواقع إن لم يكن في عمقه استهداف هذه التجربة الحكومية والسعي الحثيث لإسقاطها، ألم يكن هؤلاء وحتى الأمس القريب يرفعون عقيرتهم للمطالبة بالكشف عن لوائح المقالع وأنها  لوحدها الكفيلة  للتعبير عن حقيقة إرادة الإصلاح وأن ما دون ذلك من كشف عن لوائح النقل الطرقي لا تفي  بالمطلوب؟ ألا يتذكر هؤلاء كيف كان مطلب الكشف عن لوائح الريع مطلبا دونه الرقاب؟
إن هذه التموقعات تسائل البنية الحزبية في عموميتها وتحديدا آلية إنتاج الخطاب السياسي؟ ذلك أن عدم التخلص من الذات يفقد هذه الآلية القدرة على الإبداع ويعتقل حاسة التموقع السليم والمستجيب لمتطلبات السياقات المختلفة، بقدر كبير من الليونة المستحضرة لمتطلبات المرحلة بما يضمن الصالح  العام، ويترافع عن المستقبل باعتباره ملكا جماعيا نتولى تدبيره انطلاقا من مقاربة الواقع على أساس المواطنة التي تجمعنا تحت سقف التساوي بعيدا عن تباين الألوان والمواقع. إن تجذيرا لمثل هذا الوعي هو الكفيل لوحده أن يخرجنا من هذه الملهاة المسماة معارضة  وأغلبية والتي لا تغري أحدا بالمشاهدة بل إنها  تكرس حال التأفف من السياسة وتعمق وعيا مشروعا للنفور من أهلها ماداموا كالديكة يسكبون ماء بقائهم وهم يتعاركون!

 
إن المغاربة الآن محتاجون لجرعات  زائدة من الثقة في المستقبل لا يمكن توفيرها بانتهاج أساليب التشكيك المغذية لنزوع الاستقالة من الشأن العام، ولكن الحاجة ماسة في تأسيس ثقافة جديدة غير مستلبة بأشكال تنميطية تجعل المعارضة فعلا مؤبدا والتأييد كذلك فعلا مماثلا. بل إن الخلاص الحقيقي في تحرير الفعل السياسي من كل أشكال التنميط المبتذلة إلى درجة التحنيط! وأن القاعدة في بناء المواقف إنما تكون بمقاربة الوقائع لا الركون للمواقع، وأن العبرة بالمآلات لا بالتوهمات أو التوجسات. وأن من حق المغاربة أن يكون لديهم سياسيون يتنزهون عن ذواتهم ويتماهون مع هذا الوطن إلى درجة الحلول.


لا أريد أن يفهم من كلامي أني أصادر حق المعارضة في التعبير عما تراه مناسبا ولكن أنبه أن معارضة ما لا يعارض فيه تعريض بالذات قبل الآخرين. لهذا فإني أتفهم المطالبة بإجراءات إضافية مصاحبة أو تالية للإعلان، ولكن على أرضية تقدير وتثمين الإعلان في حد ذاته باعتباره مدخلا أساسيا لما يمكن أن يعقبه، أما أن يكون العكس فإن سؤالنا عن علاقة المقالع بالمواقع  يبقى مشروعا إلى أن يثبت العكس؟!
 
** نائب برلماني عن فريق العدالة والتنمية