ماء العينين تكتب : رسالة في الاحتجاج

قراءة : (58)

آمنة ماء العينين

لا شك أن التأسيس لأي اختيار ديمقراطي لا يمكن أن يظل بمنأى عن تكريس ثقافة الاحتجاج المسنودة بحس نقدي.
وباستقرائنا لمحطات التغيير الحاسمة التي حققتها إرادة الشعوب عبر التاريخ، لا يمكن العثور على انجاز حضاري لم يؤسس له فعل الاحتجاج. وإذا كنا نستشعر بوادر تغيير يتفاعل على مستوى عقلنا الجمعي المغربي، فإن كل مشاريع التغيير المعلنة والمؤجلة لا يمكنها الاكتمال أو التحصن بما يكفل لها الاستمرار، بعيدا عن تكريس الوعي بأهمية الاحتجاج
 لذلك لابد من تخليص مشهدنا السياسي ونقاشنا العمومي في اللحظة الحساسة التي نعيشها من اتجاهين: اتجاه يسعى إلى تحريف مسار الاحتجاج و اقحامه في تصفية حسابات فئوية، وفي أحيان شخصية تهدد بنسف المكتسبات التي راكمتها الحركة الاحتجاجية المدنية والحزبية و التلقائية التي خرج  من خلالها الشباب المغربي للشارع مطالبين بحقوق مشروعة موازاة مع سياقات اقليمية استثنائية، واتجاه ثان يسعى إلى كبح المسار الاحتجاجي و محاولة الحد من ايقاعه.


الاختياران معا يهددان بنسف تجربة وليدة لازالت تتلمس خطاها لصياغة نموذج يحقق معادلة صعبة تحافظ على استقرار البلد بما يكفل امن المواطنين وكرامتهم ،لكن بالمقابل تحقق الإصلاح الحقيقي الذي يقنع الشباب المغربي أن قطار التغيير قد انطلق، وأن امكانية توقفه أو تراجعه لم تعد واردة.
وتكمن ضمانة إنجاح هذه التجربة، أساسا في توفير المناخ السليم لنموها و تقدمها إلى غاية تحقيق أهدافها، وبترسيخنا لثقافة النقد والاحتجاج البناء، نضمن قطع الطريق على نزوعات الارتداد التي أصبحت اليوم تكشف عن نواياها، وهي تأمل أن يتحول كل ما مر بالمغرب إلى مجرد تصريف لاحتقانات شعبية غذتها انتفاضات و ثورات الجوارلتعود الامور الى رتابتها بدعوى صياغة استثناء لا يقنع إلا اللذين يروجون له.


إن أفضل رد على هؤلاء يكمن أساسا في حماية الحق في الاحتجاج السلمي من خلال مايلي:
- تطوير و دمقرطة التشريع المؤطر لفعل الاحتجاج، وتخليصه من جدلية مفارقاتية تقوم على ثنائية لا تستقيم، تحيل على كفالة الحق في الاحتجاج ثم رهنه بترخيص السلطات العمومية.
- تأطير الاحتجاج بثقافة قانونية تؤسس لحرية مسؤولة تتيح للمحتج امكانية التعبير عن موقفه الرافض و الناقد، وتعمل في الوقت ذاته على عدم المس بحرية الآخر غير المعني بموضوع و شكل الاحتجاج.
- تنصيب القواعد الدستورية والقانونية حكما فاصلا بين المحتج والرافض الطبيعي المفترض لفعل الاحتجاج ترسيخا للاختيار الديمقراطي المتسامح مع الممارسة الاحتجاجية.
- تحديد أهداف الاحتجاج والتعبير عنها بوضوح بغرض تبليغ الرسالة إلى المعنيين بها ما دام الاحتجاج في جوهره ضغط في اتجاه تغيير الواقع.


*عضو فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب