في وداع المفكر المغربي محمد بريش: جدل الرياضيات والمستقبليات ومقارنة الأديان(1)

في وداع المفكر المغربي محمد بريش: جدل الرياضيات والمستقبليات ومقارنة الأديان(1)
الخميس, 2. ديسمبر 2021 - 21:11
محمد همام

فقد المغرب عالما فذا ومفكرا استراتيجيا كبيرا الأستاذ محمد بريش(1952-2021)، رحمه الله. عرفت الرجل منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي في دورة فكرية تدريبية من تنظيم المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الرباط. كان مثيرا بنقاشاته وأسئلته ومداخله التحليلية، وبالمفاهيم والمصطلحات التي يستعملها. وكانت المرة الأولى التي أسمع فيها ( مفكرا إسلاميا) يتحدث عن الدراسات المستقبلية والاستراتيجية، بحماسة فكرية كبيرة. وأول مرة أسمع فيها مصطلحات ثنائية؛ مثل: المستقبلات الممكنة والمستقبلات المفقودة، والخبير والمخبر في المعرفة،  والاستشراف والاستبصار، والغيب والغد، وغد الإنجاز وغد الحصيلة...سأكتشف بعد ذلك أن هذه المفاهيم والمصطلحات مرتبطة بعلم قائم بذاته هو ( علم المستقبليات)، وأنه ضمن هذا الجهاز المفاهيمي الذي يستعمله في بحث تفصيلي له نشر بمجلة ( المسلم المعاصر، العدد 61، سنة1992)، بعنوان: (حاجتنا إلى علوم المستقبل).  توطدت علاقتي به وطلبت منه المحاضرة عندنا في كلية الآداب بجامعة ابن زهر يومها كنت طالبا، ولبى الطلب، وألقى محاضرتين مطولتين في جمع غفير من الطلبة،سنة 1995، حول: المعرفة والمستقبل. كما استقبلته في جمعية ثقافية كنت نائب رئيسها يومذاك، سنة1995، فألقى محاضرة مثيرة بمدينة أيت ملول تحت عنوان: مستقبلات العالم الإسلامي، مازلت أحتفظ بشريطيها: المسموع والمرئي، ولا أتصور أن كثيرا من الحاضرين فهم الكثير مما ذكره الأستاذ بريش!
تعرفت في هذا السياق، إذن، على الفقيد محمد بريش، واقتربت منه أكثر، فاكتشفت أني حقيقية أمام مفكر كبير، وعالم مستقبليات واستراتيجيا غير عادي. وكان يزورني في أكادير وأزوره في الرباط. والتقينا في أكثر من بلد. وكان يستضيفني كلما زرت الدوحة في السنوات الأخيرة، حيث وافته المنية.

الأستاذ محمد بريش من مواليد مدينة الصويرة؛ ومن قبائل رجراجة. كان والده خضارا، يسكن في حي الصياغين، من صناع الذهب والفضة. وكان الطفل محمد بريش شديد الاقتراب من أولئك الصناع، يمسي ويصبح عليهم وهو في طريقه إلى المسجد لحفظ القرآن. كما كان قريبا من الحلقات الفنية التي يعرفها الحي، ومدينة الصويرة مدينة الفنانين وقبلتهم  بامتياز، من داخل المغرب ومن خارجه. وكانت أكثر معاملات أبيه الخضار مع اليهود، وكانت  مدينة الصويرة أيضا مدينة اليهود المغاربة بامتياز. سيحدد هذا الثلاثي: الصائغون، والفنانون، واليهود، مجموعة من الملامح التأسيسية الأولى للشخصية العلمية للأستاذ محمد بريش، مما سنراه لاحقا . وفي بداية الستينات سيبدأ يهود الصويرة في الذهاب إلى فلسطين بشكل كبير مما سيؤثر على النشاط الاقتصادي بالمدينة. وسيضطر الوالد/الخضار للهجرة إلى الدارالبيضاء. وسيستقر في المدينة القديمة، بجوار ( درب كناوة)، وبجوار الملاح(درب اليهود). وسيجد الطفل محمد، وهو ابن التاسعة من عمره، نفسه مرة أخرى في الدارالبيضاء، بجوار الفنانين/كناوة، واليهود، والمسجد، وسيضاف لهم مكري الدار لوالده وهو قاض مولع بالبحث والمطالعة. وهو الذي سيهدي له يوما ( تفسير الجلالين)، وسيكون أولى لقاءات الأستاذ بريش مع القرآن الكريم، شرحا وتفسيرا.

لقد ساعدت دقة مهنة الصائغين على ترسيخ خصائصها في الطفل محمد، فاختار التخصص في الرياضيات، وعمق الفن في الصويرة وفي الدارالبيضاء حسه الجمالي والاستبصاري، فوجد نفسه مهيئا للبحث المستقبلي  والاستراتيجي، ومافتئ، رحمه الله، يؤكد أن علم المستقبليات فن بالدرجة الأولى. وأما المكون اليهودي، وهو الذي يحكي عن علاقات تعايش مثالية بين المواطنين المغاربة، يهودا ومسلمين، سواء في الصويرة، أو في الدارالبيضاء، هذا المكون التأسيسي، سيكون عاملا حاسما في دفعه إلى البحث في الحوار الديني والحضاري، وتسجيل دكتوراه في مقارنة الأديان.
تخصص الأستاذ بريش في الرياضيات، وولج من خلالها إلى مدرسة المهندسين. وتخرج سنة1976 من المدرسة العليا للطرق والقناطر بفرنساEcole Supérieur  Des Ponts Et Chaussees. وتقلد مناصب مسؤولية عديدة في وزارة التجهيزوالأشغال العمومية بالمغرب. وأدار مشاريع كثيرة، وأشرف على دراساتها، ودراسة آثارها الاقتصادية والاجتماعية والتقنية. وقد ساعده تخصصه في الهندسة المدنية ومسؤوليته الإدارية على الاحتكاك بالناس في المغرب العميق؛ خصوصا في القرى والدواوير التي كانت تفتقر إلى البنيات التحتية وتفتقر إلى مسالك الربط مع الطريق الوطني. فدخل بيوتات الناس الفقراء، ووقف على عمق الأخلاق التضامنية والتضحية التي يتميز بها سكان المناطق المعزولة، عند عمليات نزع ملكية الأراضي لتشييد الطرق أو فتح المسالك لفك العزلة عن القرى و الدواوير. وستساهم الخبرة المهنية والعمل الميداني للأستاذ بريش في تشكيل رؤيته المعرفية وخلفيته الثقافية وتطور مساره العلمي.
وبرغم المسؤولية الإدارية في وزارة التجهيز،  وبرغم بيروقراطية العمل الإداري اليومي، سيظل الأستاذ بريش وفيا لعاداته التي أسست شخصيته، وهي البحث والمطالعة. وسيتعزز هذا المنحى بزواجه من ابنة كتبي مشهور، وباختياره مستشارا أكاديميا للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، وبتحمله مسؤولية رئاسة تحرير مجلة ( الهدى) الثقافية التي كانت تصدر من مدينة فاس. ثم خاض تجربة إدارية جديدة، بعمق ثقافي وفكري واستراتيجي، في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، على عهد الوزير العلوي المدغري، وكان من مهندسي الكثير من أفكارها الاستراتيجية؛ مثل: جامعة الصحوة الإسلامية، والتي كانت المنتدى الأول الذي تواصلت فيه الدولة مع الإسلاميين، من المغرب ومن خارجه! وقد لعب الأستاذ بريش دورا استراتيجيا، وهو مهندس الطرق والقناطر،  في بناء قنطرة لهذا التواصل. وكان يقدم صورة مثالية على الممثل النزيه، والخبير الكفء، والوفي الأمين لثوابت البلد، عن الحركة الإسلامية المغربية. كما وضعت فيه الدولة الثقة للقيام بدور المنسق للعمل الثقافي بأوروبا في إطار برامج الوزارة المكلفة بالجالية. واشتغل مديرا للمركز الثقاقي الإسلامي ببروكسل لمدة أربع سنوات. كما شغل منصب مدير تطوير التعليم الديني بوزارة التربية والتعليم بدولة الإمارات العربية المتحدة، وشغل مناصب مماثلة، باعتباره خبيرا، في وزارة الأوقاف بدولة قطر إلى وفاته، رحمه الله.
لم تمنعه هذه المهام، المرتبطة بكفاءته وخبرته، عن الكتابة، وإعداده مجموعة من الأبحاث، ومن الخطط الاستراتيجية، لمجموعة من المنظمات الحكومية، العربية، والأوروبية، وكذا إنجاز أبحاث خبرة دولية وتقارير  مشتركة مع أستاذه وملهمه في الدراسات المستقبلية الدكتور المهدي المنجرة، رحمهما الله، مما سنذكره لاحقا.
(يتبع).

التعليقات

أضف تعليقك