التليدي يكتب: هل ينجح السيد شكيب بن موسى في إصلاح التعليم في المغرب؟

بلال التليدي
السبت, يناير 1, 2022 - 16:00
التليدي يكتب: هل ينجح السيد شكيب بن موسى في إصلاح التعليم في المغرب؟

أشهر مضت على تعيين السيد شكيب بن موسى وزيرا للتربية الوطنية، ولم تظهر إلى الآن رؤيته لإصلاح هذا القطاع، فباستثناء توجهه نحو الحوار الاجتماعي (مع النقابات وأطر الأكاديميات) وتقييد سن المرشحين لمباراة الالتحاق بأطر الأكاديميات في 30 سنة، واعتماده ميزانية ضخمة لتكوين الأطر، تبقى العناصر الأخرى في العتمة.
خطوة الحوار مع النقابات وأطر الأكاديميات، وإن كانت تقليدية من حيث الشكل، وغير ذات جدة من حيث الموضوع، فإنها تعكس حاجة لدى الدولة في الاستقرار التربوي والسلم الاجتماعي، بعد أن عرف قطاع التعليم أعلى مستويات الاحتجاج مع ما يسمى بالأساتذة المتعاقدين.
أما ما يرتبط بالمؤشرين الآخرين، أي تقييد سن المرشحين لمباراة الالتحاق بأطر الأكاديميات ووضع البيض كله في سلة تكوين الأطر وإعادة النظر في منظومة الترقي بالاعتماد على جودة التكوين بدل الأقدمية، فيكشف عن رؤية للإصلاح، تنطلق من تشخيص، يعتبر أن رأس المشكلة هي الإطار التربوي (المدرس) وأن مدخل المعالجة، هو مدرس قادر على العطاء (تقييد السن) ومؤهل (التكوين المستمر) ومحفز (الترقية).
أزمة التعليم باتت تشكل النقطة المحورية في كل الخطابات الرسمية، وذلك لأزيد من أربعين سنة، بحيث عرف مسار الإصلاح منعطفات كثيرة، انتهت في أوفق مراحلها إلى إنتاج وثيقة الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي ساهمت القوى الوطنية في صياغته، وتهييء شروط التوافق حوله، وكان المأمول أن يغطي عشر سنوات من الإصلاح، ممتدة من سنة اعتماد الميثاق، أي من سنة 2000.
المشكلة أن الوضع القانوني لهذا الميثاق، لم يكن يتعدى كونه مرجعية موجهة، ولم يتمتع بأي صفة قانونية ملزمة للحكومات، وهو ما سمح للأوصياء على القطاع، أن يكيفوه حسب رغباتهم، بل سمح للحكومات، أن تجعل منه مجرد وثيقة للاستئناس، وأن تجري الإصلاحات على قطاع التعليم، حسب الإكراهات المالية والارتهانات اللغوية والثقافية.
وبسبب هذه الإكراهات، تم هدم الأسس المركزية للميثاق، سواء من خلال سياسة المغادرة الطوعية، التي أفضت إلى تقويض الموارد البشرية لهذا القطاع، أو من خلال اعتماد سياسات تهم لغة التدريس، ضربت في العمق كل المكتسبات التي أرساها الميثاق.
الخلاصة، التي نتجت عن ذلك كله، هو انهيار المنظومة التعليمية، وطرح الخصاص في الموارد البشرية، ومشكلة التكوين، والفوضى اللغوية، وبروز ظاهرة عدم التحكم في اللغات، بما في ذلك اللغة العربية، فضلا عن تعمق ظاهرة تكدس الأٌقسم، حتى بلغ عدد التلاميذ في بعض الفصول الدراسية في السنوات القليلة الماضية حوالي 70 تلميذا.
المجلس الأعلى للتعليم في تشخيصه، حاول مقاربة هذه الظواهر، وانتهى إلى خلاصات حاسمة، رمت بكل الثقل على الموارد البشرية، والحاجة إلى سد الخصاص، والتكوين.
البرنامج الاستعجالي لإصلاح منظومة التربية والتكوين، حاول أن يقدم أجوبة عاجلة لهذه المعضلات، وقد رصدت له إمكانات مالية ضخمة، فانصبت خياراته الرئيسية على ضبط الزمن المدرسي، ومحاربة ظاهرة غياب الأطر التربوية، مع بداية الانعطاف نحو فرنسة التعليم، وذلك في مقابل التمويل الذي قدمته فرنسا لهذا البرنامج.
خلاصة البرنامج الاستعجالي كانت كارثية، فقد صرفت أموالا ضخمة، دون أن تنعكس على مستوى الإصلاحات المرجوة، وانطلقت دعوات كثيرة تطالب بالتحقيق في هذا البرنامج، وأوجه صرف الأموال المرصودة له.
حكومة عبد الإله بن كيران، وجدت نفسها أمام أربعة إشكالات أساسية، الأول، هو البحث عن مقاربة قانونية مختلفة لإصلاح التعليم، تلزم مختلف الفاعلين باحترامه (القانون الإطار) ومواجهة ظاهرة الاحتجاجات، التي قلصت إلى حد كبير الزمن المدرسي، ثم مواجهة مشكلة الفوضى اللغوية. أما الإشكال الرابع، فيتمثل في النزيف الذي حصل في الموارد البشرية من جراء تقاعد الأطر التربوية.

نجحت حكومة بن كيران بشكل كبير في تأمين الزمن المدرسي وضمان استقرار القطاع، وذلك من خلال اعتماد معادلة (الحق في الإضراب مضمون، لكن الأجر مرتبط بالعمل) كما حاولت إنهاء استفادة القطاع التعليمي الخاص من الموارد البشرية لقطاع التعليم العمومي دون أن تذهب في ذلك بعيدا، وبرز توتر كبير بين رئيس الحكومة والوزير المفوض على القطاع (رشيد بلمختار) على مستوى لغة التدريس، تحول إلى صراع مكشوف بينهما داخل قبة البرلمان، في حين أعد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي وثيقة مهمة (الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين) اعتمدها الملك، وأمر حكومة بن كيران بنقلها إلى قانون إطار ملزم. أما الإشكال الرابع، فقد حاول فتح الباب أمام برامج التكوين، مع فتح مباريات في وجههم للالتحاق بأعداد وافرة بالقطاع.
حكومة سعد الدين العثماني، ورثت من سابقتها استقرار الزمن المدرسي مع استمرار نزيف الموارد البشرية، بسبب المنحنى المرتفع لتقاعد الموارد البشرية، ووجدت نفسها في مأزق كبير بخصوص الهندسة اللغوية، إذ أقر قانونا إطارا، يخالف في الهندسة اللغوية ما تضمنته الرؤية الاستراتيجية، وفتح الطريق لفرنسة للتعليم، تمضي بتغطية قانونية.
لم تختلف مقاربة العثماني كثيرا عن سلفه بن كيران في موضوع الجواب عن نزيف الأطر، وذلك من خلال الرهان على برنامج التكوين، وزيادة أعداد الملتحقين منهم بقطاع التربية والتكوين، وفق صيغة التعاقد (أطر الأكاديميات) وهي الصيغة، التي أعادت مشكلة استقرار الزمن المدرسي من جديد، بسبب كثرة الاضرابات التي خاضها الأساتذة المتعاقدون طيلة ثلاث سنوات الماضية.
السيد شكيب بن موسى، ورث وضعية قانونية تعفيه من كثير من النقاشات والاحتجاجات حول لغة التدريس، فالقانون الإطار الذي تم المصادقة عليه زمن حكومة العثماني، أنهت الموضوع لفائدة الفرنسة، لكنه في المقابل، وجد أمامه مشكلتين أساسيتين، الأولى هي تأمين الزمن المدرسي من خلال الجواب عن الاحتقانات الاجتماعية (إضرابات الأساتذة) وهو ما يحاول الجواب عنه من خلال الحوار مع النقابات والحوار أيضا مع أطر الأكاديميات، والوعد بأنه سيحل هذا الملف قريبا، والثانية، هي ضمان جودة التعليم من خلال فعالية التكوين المستمر.
المعضلة أن الحكومات السابقة، منذ إقرار الميثاق لم تدخل في صلب المشكلة الرئيسية (ضمان جودة التكوين) وانشغلت بدلا عن ذلك بالجوانب المحيطة بها، فما إن ركزت على تأمين الزمن المدرسي، حتى وجدت نفسها أمام ظاهرة نزيف تقاعد الأساتذة، مما دفعها إلى انتهاج سياسات استعجالية، فتحت الباب أمام أعداد ضخمة من المدرسين، لا تتوفر في أغلبهم شروط التمكن، ولم يخضعوا للمدة الكافية من التكوين البيداغوجي. وفي الوقت الذي فكر القطاع الوصي في تأمين تكوين ولو متقطع لهذه الفئة، وجدت نفسها أمام احتجاجات عارمة من قبلهم، أثرت بشكل كبير على الزمن المدرسي، لتأتي بعد ذلك جائحة كورونا، وتغطي على الأزمة، وتشغل الناس بالتدابير الوقائية.
السيد شكيب بن موسى يريد أن يجيب عن هذه المعضلة بعناصره الثلاثة (الحوار الاجتماعي، تشبيب أطر التعليم ـ التكوين) لكن التحديات التي تحول دونها كبيرة، فالأطر الجديدة التي ولجت التعليم، هي في الأصل خريجة أسوأ مراحل المنظومة جودة، مما يعني أن مستوياتها في مادة التخصص وفي اللغات جد ضعيفة، وهي مطالبة، بمواجهة واقع تربوي جد معقد، أضحت فيه المؤسسة التعليمية فاقدة لكل وسائل الضبط الإداري بسبب قلة الموارد الإدارية من جهة، وضخامة متطلبات البيروقراطية الإدارية، واستنزاف فك المشكلات الاجتماعية لأعمال الجهاز الإداري.

نقلا عن القدس العربي

التعليقات

أضف تعليقك