فاضلي يكتب: ابن كيران والمرجعية (1):

علي فاضلي
الثلاثاء, يونيو 7, 2022 - 11:30
فاضلي يكتب: ابن كيران والمرجعية (1):

يثير الحديث الدائم للأستاذ عبد الإله ابن كيران عن المرجعية وضرورتها استغرابا لدى البعض، ومناط هذا الاستغراب أن الكل أصبح يعرف مواقف بنكيران، وبالتالي فهو مطالب بالجديد في خطابه وعدم تكرار ما أصبح معلوما لدى المغاربة من مواقفه وآراءه.
لكن هل المطلوب من بنكيران التخلي عن خطاب المرجعية وضرورتها؟ أم ان المطلوب منه هو الاستمرار في التأكيد على ضرورة وأهمية المرجعية؟
إن المستغربين هم ضحية هيمنة مرجعية رأسمالية معلمنة، مرجعية قائمة على "السريع" Fast/Quick، وعلى انتظار الجديد الدائم، لدرجة إنشاء مسابقة حول عرض أطروحات الدكتوراه في مدة لا تتجاوز دقيقتين !!!
 وسر النجاح المبهر لموقع تيكتوك الصيني بمعقل الرأسمالية الغربية هو ادراكه لسر ذلك النموذج القائم على "السريع" وعلى "المختصر"، وهو ما دفع مواقع التواصل الاجتماعي الأمريكي لتقليده في هذا الباب !
السياسيون والمفكرون ليسوا ممثلين ومغنيين مطلوب منهم الإتيان بالجديد كل مرة، وليس مطلوبا منهم "السرعة" والاختصار، بل هم أصحاب مشاريع سياسية وفكرية تم بناءها على مدى عقود وسنوات، وهدفهم هو نشر تلك المشاريع بين العموم والعمل على ان تحظى بالقبول والتبني، فحتى في الدول الغربية سيجد المرء أن السياسيين والمفكرين يرددون الكلام نفسه في كل لقاء وحوار وفي كل محاضرة وندوة.
وإذا كان البعض يعتقد أن كلام ابن كيران أصبح معروفا لدى كل المغاربة وبالتالي فهو مطالب بعدم تكراره، فقد فات هؤلاء أن هذا من سر قوة بنكيران، وأن ما تحقق لبنكيران في هذا الأمر لم يسبق أن تحقق مثله في التاريخ السياسي المغربي منذ لحظة الاستقلال، فبنكيران يكاد يكون -ربما- الزعيم السياسي الوحيد الذي يعرف المغاربة أفكاره وآراءه، فمن شروط النجاح في السياسة وضوح الأفكار والمشاريع السياسية والقدرة على تبليغها للعموم، عوض الغموض السياسي والكلامي.
- أزمة العالم أزمة مرجعية:
هناك من يرجع أزمة العالم إلى أزمة ديمقراطية وحرية، أو أزمة عدالة اجتماعية و استغلال وانعدام التوازن بين الشمال والجنوب، أو أزمة مناخ وبيئة ...، فالكل يعّرف أزمة العالم انطلاقا من توجهه الايدلوجي، لكنها تعريفات تبقى مجرد توصيف للنتائج دون التطرق للأسباب الحقيقية بعيدا عن الأوهام.
إن أزمة العالم هي أزمة مرجعية بالأساس، فمن يزعم بأن أزمة العالم في غياب الديمقراطية والحرية يتناسى أو يتغاضى عن كون العالم يقاد من قبل الغرب الديمقراطي الحر، ومن يزعم بأن الأزمة هي أزمة بيئة ومناخ يتناسى أنها أزمة كامنة داخل النموذج الرأسمالي المتوحش، القائم على مفهوم التقدم المعلمن اللامتناهي، وهؤلاء ينطلقون من أن حل الأزمة يمكن من داخل مفهوم التقدم المعلمن نفسه، وهو أمر بيّن التاريخ ضرره الكارثي وفشله الواضح، فالزعم بأن الحل في التقدم اللامتناهي أطر اشتغال النموذج الغربي منذ قرون وتم اللجوء إليه في كل أزمة من الأزمات في حلقة جهنمية لامتناهية.
ما يهدد العالم اليوم حقيقة ليس غياب الديمقراطية أو الحرية أو أزمة البيئة أو انعدام العدالة الاجتماعية، بل في مرجعية تلك المفاهيم. مرجعية معلمنة حولت الإنسان إلى شيء وإلى سلعة، وبالتالي تدمير الكائن البشري عبر تدمير العلاقة التاريخية الربانية بين الرجل والمرأة وتدمير الأسرة التاريخية ورابطة الزواج المقدس، وعبر هيمنة غير مسبوقة لنمط استهلاكي جشع مخرب للإنسان والطبيعة، وعبر محاولة فرض ذلك النموذج المعلمن على كل شعوب العالم تحت مقولات الديمقراطية والحرية وكونية الحقوق والتقدم.
إنها مرجعية تقع في نقيض مع مرجعية متجاوزة تقر بإنسانية الإنسان وتميزه وتفرده وعدم مساواته مع عالم الأشياء، مرجعية تقر بالاختلاف والتمايز بين الرجل والمرأة وبقدسية مؤسسة الأسرة ورابطة الزواج، مرجعية تقر بحدود قوة الإنسان وبقدرته في الوقت نفسه على تسخير الطبيعة لخدمة الإنسان والطبيعة نفسها، مرجعية تدافع عن مفهوم إنساني للديمقراطية والحرية لا مفهوم حيواني لهما، مرجعية تؤمن بأهمية التقدم، لكن التقدم الذي ينطلق من الدفاع عن إنسانية الإنسان وليس التقدم القائم على خدمة شجع الرأسمالية الاستهلاكية المتوحشة المدمرة للإنسان. 

التعليقات

أضف تعليقك