التليدي يكتب: أبو زيد الإدريسي.. مغربي منشغل بمواجهة مشاريع استهداف الأمة

بلال التليدي
الأربعاء, يوليو 13, 2022 - 23:15
التليدي يكتب: أبو زيد الإدريسي.. مغربي منشغل بمواجهة مشاريع استهداف الأمة

يمثل المقرئ أبو زيد الإدريسي أحد أهم قيادات الحركة الإسلامية المغربية، الذين اشتغلوا بقضايا الفكر، ونذروا أنفسهم لخدمة قضايا الأمة من زاوية التنبيه الفكري والتوعية الحضارية من خلال محاضراته ودراساته التي كان يشارك بها في عدد من المؤتمرات الدولية.

وقد أقدمت مؤسسة الإدريسي الفكرية للأبحاث والدراسات في السنوات الأخيرة على جمع أعماله وتوثيقها، ونقل تراثه الشفوي إلى كتب، فأصدرت عددا من كتبه في مجالات عدة فكرية وسياسية واستراتيجية.

وفي هذا السياق، يأتي كتاب المقرئ أبو زيد الإدريسي "قضايا سياسية" في جزئه الثاني، الذي جمع فيه حواراته بعنوان "حوارات لبناء الوعي"، وضمنها هذه الباكورة الفكرية، التي حاولت أن تغطي مساهماته ومشاركته التحليلية لعدد من الأحداث الاستراتيجية التي عرفتها الأمة، وذلك لما يزيد على عقد من الزمن (ما بين 2000 و 2013) في موضوعات مختلفة، يربطها رابط واحد، هو ما يشكل البوصلة الاستراتيجية التي توجه المقرئ أبو زيد في نظرته إلى الأحداث الكبرى، والاستهدافات التي واجهتها الأمة الإسلامية في مختلف تمظهراتها العسكرية والسياسية والثقافية والفكرية والقيمية الحضارية.

مركزية الحضور في مواكبة الحدث وتأطيره استراتيجيا 

تقدم الملاحظة الشكلية معطيات مهمة عن صورة الكتاب ورسالته، فالكتاب هو عبارة عن حوارات أجريت على مدى أكثر من عقد من الزمن، (أجريت ما بين سنة 2000 و2013، بوتيرة حوار أو أكثر في كل سنة، ما عدا سنتي 2002 و2009)، أي أن الكتاب يؤطر من الناحية الزمنية، عقدية الربيع العربي، سياقه، وبداياته ومؤشرات تعثراته، وقد أجرت معه الحوار أكثر من وسيلة إعلامية وطنية ومحلية، وسجل الكتاب حوارات ثقيلة، أجريت مع قنوات فضائية وازنة، ومع صحفيين مفكرين، منحوا للحوارات أبعادا فكرية وتحليلية عميقة من خلال اختياراتهم ونوع أسئلتهم.

من هذه الناحية الشكلية، يمكن أن نستدل بزمنية الحوارات على نوع من الحضور المواكب للحدث والتأطير التحليلي له. ويمكن أن نستدل بتعدد وسائل الإعلام الوطنية والدولية، على وجود طلب كثيف على زاوية نظر المقرئ أبو زيد سواء في الساحة الوطنية، وبالأخص في دوائر الحركة الإسلامية، أو في الساحة العربية والإسلامية.
الملاحظة الشكلية الثانية، وتتعلق بتنوع محاور الكتاب وموضوعاته، إذ يضم المحور الدولي (أحداث 11 شتنبر، تداعيات الغزو العراقي، حول مشروع الشرق الأوسط الكبير) والمحور الإسلامي (الرسوم ونصرة الرسول، الإسلاموفوبيا، كشمير) والمحور العربي(فلسطين، الربيع العربي، أزمة الديمقراطية) والمحور الوطني (مقترح الحكم الذاتي، الربعي المغربي وتداعياته، الدستور، الحركة الإسلامية المشاركة السياسية واستشراف مستقبلها، مسؤولية الدولة عن الأخلاق).
قد يتبادر إلى الذهن من النظر في تعدد هذه الموضوعات وشمولها أن الأمر يتعلق بمختص في العلاقات الدولية، أو في النزاعات الإقليمية، أو حتى في التحولات الديمقراطية التي يعرفها العالم العربي، لكن حين التدقيق، ترتسم صورة مفكر مشغول بالقضايا الاستراتيجية في العالم العربي (فلسطين، الديمقراطية، القضايا القيمية) وفي تتبع اتجاهات السياسات الدولية، وبحث انعكاساتها على هذه القضايا الاستراتيجية. فالثابت في الكتاب كله، الحضور المركزي لقضية الصراع الحضاري، والمواكبة الكثيفة لثوابت السياسات الأمريكية وخياراتها المتعددة لتركيع الأمة العربية، والتتبع الدقيق لمختلف الاستهدافات العسكرية والسياسية والثقافية والدينية والقيمية التي تواجهها الأمة، ورهان استراتيجي على قضية الديمقراطية (باعتبارها إحدى أدوات تمنيع الأمة ووقف نزيف عمالة الحكام للأنظمة الغربية). يمكن أن نلاحظ على طول الكتاب، الحضور المركزي للقضية الفلسطينية في التحليل، وتركيز قوي على السياسة الصهيونية في المنطقة، وحضور للأبعاد الحضارية والثقافية والقيمية في التحليل والمواكبة، واعتبار ثقلها في السياسات الأمريكية والصهيونية، كما يمكن ملاحظة مركزية الانتماء لمشروع الحركة الإسلامية، مع الحضور النقدي الكثيف لمسارها وأشكال تعاطيها للواقع، والترشيد لخطها العام، والاستشراف لمستقبلها.

فلسطين مركز رؤية المقرئ الإدريسي أبو زيد

مع تعدد محاور الكتاب وتنوع موضوعاته، إلا أن الكاتب اختار التركيز ضمنها على السياسات الأمريكية، وتحليل متجهاتها وخلفياتها وآثارها على الأمة العربية والإسلامية، مع تحليل ثوابتها ومتغيراتها، ومحاولة استخلاص الرؤية التي تؤطرها في تعاملها مع قضايا الأمة العربية والإسلامية، كما اختار تسليط الضوء على الرؤية الصهيونية الدينية التي تؤطر سياسة إسرائيل التوسعية، ومخططاتها التي تسعى لتنفيذها (الشرق الأوسط الكبير)، محاولا من خلال ذلك كله التأسيس لفكرة محورية تخترق الكتاب كله، وهو أن قضية فلسطين، باتت تشكل محور الصراع، وأن فعل المقاومة المؤطر بوعي حضاري، بات السلاح الأمضى لدى الأمة لمواجهة هذه السياسات الأمريكية والصهيونية.

لا يهتم المقرئ أبو زيد بالبعد الوقائعي، بما يعنيه ذلك استحضار المؤشرات التفصيلية التي تجري في سياق معين، وربط بعضها ببعض، لتحليل الحدث أو الواقعة، وإنما يهتم بالأبعاد الاستراتيجية، أو الأبعاد الرؤيوية التي تؤطر الصراع الدولي، أي تحليل المفردات الاستراتيجية التي تستند إليها السياسة الأمريكية والصهيونية بالمنطقة العربية، مع دراسة تحولاتها، والحضور الكثيف للبعد الفكري في التحليل، مع ما يعنيه ذلك من استشهادات برموز ومفكرين ومسؤولين غربيين، يتم الاستعانة بهم لفهم وتحليل الرؤية المؤطرة للصراع والخلفيات التي تحرك السياسات الدولية.

يحرص المقرئ أبو زيد على إعطاء الأبعاد الدينية حجمها المركزي في فهم طبيعة الصراع، فقد جرت العادة أن يتم تهميش هذه الجوانب والاهتمام فقط بالأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية، في حين، يحاول المقرئ أبو زيد الاشتغال على نصوص ومواقف وكتابات زعماء وقادة دينيين لهم تأثير على السياسة الأمريكية حتى يخرج هذا البعد المؤثر من دائرة الظل، ويعطيه مساحته في فهم وتحليل أبعاد الصراع الدولي.

التشاؤمية الواقعية

ذكر مقدم الكتاب، الدكتور سلمان بن نعمان، في معرض تحليله لخصائص الرؤية التي يحملها المقرئ أبو زيد في النظر للأحداث، ما أسماه بالواقعية التشاؤمية، والتي تعني الكشف عن الخلفيات الصادمة التي تؤطر بعض السياسات الدولية، بالشكل الذي ينشر ظلالا واسعة من التشاؤم حول مستقبل الأمة، والحال، أنه ينبغي التمييز في كتاب المقرئ أبي زيد بين  مستويين: مستوى الوقائع والمؤشرات، ومستوى الخطاب، ففي المستوى الأول يحاول المقرئ أبو زيد استحضار ما حضره، وما استطاع الإحاطة به من المعطيات، التي تعينه على فهم خلفيات السياسة الدولية، وفي هذا المستوى قد يكون التوصيف بالواقعية التشاؤمية دقيقا، لأن الوقائع في الغالب ما تكون صادمة. لكن المستوى الثاني، المتعلق بالخطاب، فالجانب العاطفي يحضر فيه بقوة، ليس لأن تحليل المقرئ عاطفي، ولكن، لأن انشغاله بقضايا الأمة، وتأمله لما يحاك ضدها، يحوله إلى رجل تعبوي، يضع مسؤولية إيقاظ الأمة وتنبيهها إلى أدوراها، من مسؤوليته العضوية.

والناظر لطريقة تحليل المقرئ أبي زيد وتفاعله مع الأحداث والقضايا الاستراتيجية، يثار لديه سؤال محير: هل المقرئ أبو زيد محلل سياسي، أم مفكر، أم مثقف عضوي، أو داعية إصلاحي؟

الواقع أن الرجل تحضر فيه كل هذه الأبعاد بقدر مهم، فلا يمكن وصفه بالمحلل السياسي، وإن كان يباشر هذه المهمة، ويصلها برؤية ثقافية وحضارية عميقة، وهو مفكر على طريقته، أي الطريقة الشفوية، التي تحتاج إلى جهود لنقل أفكاره بطريقة عالمة (كتاب)، واستكشاف نسقه الفكري، وهو مثقف عضوي مشارك مهموم بقضايا أمته، وهو داعية إصلاحي، مشغول بوظائف التنبيه والتوعية والترشيد.
والتقدير أن الوصف اللائق به، والذي يعبر عن هويته، وما يقوم به، أنه مثقف عضوي وداعية إصلاحي، ليس همه بناء نظرية أو نسق تفكير، بقدر ما يهمه عودة الأمة لأدوارها التاريخية، وتنبيهها لأعطابها، وبل وتنبيه الحركات الإصلاحية لأعطابها، وترشيد مسارها حتى لا تسير في اتجاه معاكس لأهداف الأمة وتطلعاتها الحضارية.

في صدقية التوقعات

في الجزء الأول من هذا الكتاب، تناول المقرئ أبو زيد القضايا الفكرية، وبسط تأملاته في العديد من القضايا، بما في ذلك تحليله لبعض الأبعاد الفكرية في مشروع مالك بن نبي، وهو ما جعل عمله الأول فكريا خالصا. في حين، باستثناء موضوع الدولة الإسلامية، الذي ألحقه بالمحور الإسلامي، وهو موضوع فكري خالص كان يفترض أن يلحق بموضوعات الجزء الأول. باستثناء هذا الموضوع، فقد جاء الجزء الثاني، يؤطر الأحداث الكبرى، والقضايا الاستراتيجية التي واجتها الأمة خلال عقد الربيع العربي.

ولئن طبيعة الكتاب تحليلية واستشرافية، فإن حضور التوقع لم يفارق منهجية الكاتب في نظره لاتجاهات السياسات الدولية، وهو ما يميزه، لاسيما وأنه كان أحيانا يباشر عملية الاستشراف بجرأة كبيرة، مع تفاصيل توقعية غالبا ما يتهيبها أي محلل سياسي، بحكم أن صدقية أي عملية من هذا الشأن، ونجاح أي تحليل يبقى رهينا بدقة وصدقية التوقعات وقياسها بمآلات السياسات الدولية في السنوات اللاحقة.
مرور حوالي عقد من الزمن على آخر حوار أجراه في الكتاب، يعطي الفرصة لاختبار توقعات الكاتب، وما إذا كانت دقيقة أم كانت بعيدة.

عمليا يمكن الحديث عن توقعات دقيقة بلغت حدا من مطابقة المآلات التي انتهت إليها بعض السياسات، ويمكن في هذا السياق أن نستدل بتوقعاته الدقيقة لحالة العراق، وتأثير الطائفية فيها، وانعكاس تضخم هذه الظاهرة على الاستقرار السياسي، والحكم باستحالة ترتيب مشهد سياسي مستقر في ظل تضخمها، وهو ما يطابق بشكل دقيق ما آل إليه الوضع في العراق اليوم. ويمكن أن ندرج في هذا السياق دقة رؤيته لقضية الإسلاموفوبيا ومستقبلها في الغرب وثوابت السياسة الغربية بهذا الخصوص.

وإلى جانب التوقعات الدقيقة، تم توقعات كانت بعيدة، تأطرت بالمبالغة في تقدير أهداف السياسات الأمريكية والسياسات الصهيونية بالمنطقة، أو بنيت على تقدير غير دقيق لتطور العلاقات الدولية، ودينامية الفاعلين فيها. من ذلك تحليله لأهداف مشروع الشرق الأوسط الكبير والتطورات التي حصلت سنة 2006، وتأكيده على أن هذه الأحداث وما نلاها يلا يعني لا تعني فشل المشروع الأمريكي أو بداية تقلصه وانهياره، بل تعني أن المشروع الأمريكي يرخي بظلاله على المنطقة وه ما أثبت الواقع خلافه، بحيث أضحت الظاهرة الانسحابية في السياسة الأمريكية مقدمة لتراجع كبير في التأثير في السياسة الدولية، لفائدة بروز أقطاب دولية (روسيا، الصين، ) وأدوار إقليمية (تركيا، إيران) لم تجد الولايات المتحدة ألأمريكية بدا من التفاعل معها بدلا من إخضاع الجميع لهيمنتها، ويكفي في هذا الصدد أن نشير إلى توقعه للتهديد النووي الشمالي، ولقوة روسيا والصين، إذ يرى المقرئ أبو زيد في تحليله، أن كوريا الجنوبية واليابان ستبقيان تحت الحماية الأمريكية (وهو توقع صحيح لا يزال يملك صدقيته)، وسيدفع بالروس والصين إلى البقاء في خط التوافق مع الولايات المتحدة الأمريكية ولو في الحدود الدنيا ضد الكوريين الشماليين، وأقصى ما يمكن أن تتميز به هذه الدول هو عدم السماح بعقوبات أشد على كوريا أو بضربة عسكرية ضدها (وهو التوقع الذي نرى خلافه في الواقع لاسيما مع الحرب الروسية على أوكرانيا)، كما أن توقعه لأفغانستان هو الآخر لم يكن قريبا من الواقع.
وفي المقابل، فقد تميز تحليل الأحداث بحضور الرؤية الفكرية النقدية الترشيدية الاستشرافية، فسواء تعلق الأمر بالرسوم المسيئة (مفهوم حرية التعبير في الغرب وحدودها، التحذير من الاستدراج) أو تعلق الأمر بالربيع العربي (الحديث عن محطات داخل الربيع العربي، وعن منحنيات لولبية للظاهرة الثورية، وجدل الزخم والتعثر لكن في مسار ثوري متقدم في العموم) أو تعلق الأمر بنظرته للديمقراطية وتعثراتها في المنطقة العربية (هزيمة الديمقراطية تأتي من الداخل من قبل النخب)، فقد كان الثابت في منهج المقرئ أبو زيد ليس فقط تحليل الوقائع والتطورات، ولكن التركيز بناء الوعي، وتوجيه البوصلة الاستراتيجية للأمة لكا ينبغي فهمه وفعله، والتركيز في معركة المقاومة على إعادة تشكيل الوعي، وتجديد النظر للدين، والإبصار الدقيق للمعاملات الحضارية في الصراع، وفي الشروط الضرورية لحسمه.

نقلا عن الجريدة الإلكترونية "عربي21"

التعليقات

أضف تعليقك