الكعداوي يكتب: خطاب العرش: كيف نكون "نحن" حيث نتطلع أن نكون !

عبد الكريم الكعداوي
الثلاثاء, أغسطس 2, 2022 - 10:45
الكعداوي يكتب: خطاب العرش: كيف نكون "نحن" حيث نتطلع أن نكون !

تشكل الخطب الملكية بمناسبة الاحتفال بعيد العرش المجيد محطة مرجعية في إقرار اختيارات المملكة وتوجهاتها الاستراتيجية. فكل خطاب في هذه المناسبة يسعى، وفق مقاربة استباقية مؤطَّرة بالواقعية وبُعد النظر ومفعمة بعراقة التلاحم بين العرش والشعب، لتوجيه بوصلة الأداء في مجموعة من المجالات والسياسات والقطاعات، مع إعادة ترتيب الأولويات وفق السياقات المستجدة والتقييمات المراكَمة.

خطاب الذكرى 23 لعيد العرش، أطر منذ البداية عناصر التدخل المرحلي، ووجه البوصلة نحو ثلاث أولويات أساسية هي: توطيد الاستقرار الاجتماعي والتوازن المجتمعي؛ وتعزيز قدرات الاقتصاد الوطني على التعافي والتنافسية؛ والتمكين للتقارب والتفاهم بين المغرب والجزائر، وذلك من خلال النهوض بروح المبادرة والتسلح بمقومات الصمود، في ظل التحديات التي تفرضها الساحة الدولية المتقلبة والآثار التي خلفتها الجائحة، مع بحث إمكانيات تحويل هذه التهديدات إلى فرص خلاقة، تعزز مكانة المملكة وتحقق تطلعاتها المشروعة، وطنيا وجهويا ودوليا.

في التفاصيل، تفضل الخطاب الملكي بالتذكير بأحد أهم الإصلاحات الاجتماعية التي عرفها العهد الجديد، عبر إصدار مدونة الأسرة والتكريس الدستوري لمبدأي المساواة والسعي للمناصفة بين النساء والرجال. في نفس الوقت، شخّص الإشكالات التي تخل بالتوازن المطلوب في تنفيذ المقتضيات الدستورية والقانونية بهذا الشأن، سواء تعلق الأمر بالتمثلات المجتمعية أو الممارسات الإدارية المتقادمة، والتي تكبح الحقوق القانونية والشرعية للمرأة، أو بالمناكفات الإيديولوجية والانتهازية المبنية على النوع، والتي تسعى لتضخيم الحقوق ونيل امتيازات مجانية.

وفي هذا الصدد، شدد الخطاب الملكي على "ضرورة التزام الجميع، بالتطبيق الصحيح والكامل، للمقتضيات القانونية"، كما دعا الجميع، مرة أخرى، إلى استيعاب أن "تمكين المرأة من حقوقها، لا يعني أنه سيكون على حساب الرجل؛ ولا يعني كذلك أنه سيكون على حساب المرأة". وهي رسالة إلى المتمترسين خلف الممارسات المتكلسة أو الأفكار المتحجرة للتحرر من تراكمات الماضي، السوسيولوجية منها والإيديولوجية، والاشتغال وفق المحددات المرجعية والآليات القانونية والمؤسساتية التي رسمها الخطاب الملكي، في أفق تحقيق مشاركة فاعلة وكاملة للمرأة في التنمية، باعتباره أحدد محددات بناء مغرب التقدم والكرامة.

وإذا كانت خصوصيات المجتمع المغربي وثوابته الجامعة قد أطرت التطلع لمغرب التقدم والكرامة من مدخل صيانة الأسرة وإيلاء المرأة المكانة المستحقة شرعا وقانونا، فإن ذات الخصوصيات الفريدة، المجبولة على روح التكافل والتعاون والتضامن وتضافر الجهود تحت القيادة الملكية، مكنت من تحمل التكاليف الباهظة لمواجهة آثار الجائحة، وجعلت من هذه المرحلة الصعبة منصة انطلاق نحو فرصة جديدة لتحقيق السيادة الصحية وتعميم الحماية الاجتماعية، والتطلع لتنزيل التعويضات العائلية بشكل ناجع بعد إخراج السجل الاجتماعي الموحد.

وقد تجددت الدعوة الملكية الكريمة، ضمن المحور الاقتصادي، إلى "تعزيز آليات التضامن الوطني"، موازاة مع "التصدي بكل حزم ومسؤولية للمضاربات والتلاعب بالأسعار". فإذا كانت العوامل الداخلية والخارجية قد فرضت تحديات اقتصادية متصاعدة، بكل انعكاساتها الاجتماعية، فإن المبادرات بشأن تجاوزها ينبغي أن تنظر، بعين التفاؤل، فيما وراء الإجراءات التضامنية المؤقتة، وترتكز على نقاط القوة الذاتية في تحويل الوضع الدولي الصعب إلى فرص استراتيجية، "لاسيما في مجال جلب الاستثمارات، وتحفيز الصادرات، والنهوض بالمنتوج الوطني".

وعلى غرار الرسالة التي حملها الخطاب الملكي لجانبي الإفراط والتفريط حول مكانة المرأة وصيانة الأسرة، تجددت الرسالة أوضح، بعنوانها ومحتواها وسياقها، للحكومة والأوساط السياسية والاقتصادية، بشأن عدم تفويت الفرص الاستراتيجية لجلب الاستثمارات الأجنبية خلال المرحلة الحالية، وإزالة كافة العراقيل أمامها، لاسيما تلك "العراقيل المقصودة" التي لا يفكر أصحابها إلا في مصالحهم الخاصة وبمنطق الربح الشخصي ! وقد نبه جلالة الملك، في سابقة لا يوازيها إلا سؤال "أين الثروة"، إلى أن هذا التضارب في المصالح يشكل "أخطر ما يواجه تنمية البلاد"، ما يوجب محاربته. فمتى ما تخلت النخبة عن خدمة الصالح العام، تخلى العامة عن التضحية، وهو منطق يهدد سيرورة التاريخ المغربي العريق، حيث تشكل معاني التلاحم والتضحية، في السراء والضراء، منارة لتجاوز أهوال الأزمات.

وفي هذا السياق المفعم بالوطنية الصادقة، والداعي لتقديم المصالح العليا للوطن، شدد الخطاب الملكي على عمق الاعتبارات والروابط المشتركة بين الشعبين المغربي والجزائري، وما تحتمه من أولوية تعزيز التقارب والتواصل والتفاهم، حتى وإن كان الوضع الحدودي القائم يفرق بين الجارين. وأهاب بالمغاربة "مواصلة التحلي بقيم الأخوة والتضامن، وحسن الجوار [...] في كل الظروف والأحوال"، وعدم الانجرار إلى المساهمة في إذكاء نار الفتنة. وقد جدد جلالة الملك حرص المغرب على الخروج من هذا الوضع وإقامة علاقات طبيعية، تلبي تطلعات الشعبين الشقيقين، بل وتعطي المثال للشعوب المغاربية الأخرى.

لقد شكل خطاب الذكرى 23 لعيد العرش محطة لتوجيه البوصلة نحو كيف نبني مجتمعا منصفا لنسائه ورجاله وعادلا في العلاقة بينهما ضمن إطار الأسرة، ونتطلع لبناء مغرب التقدم والكرامة والتنمية بمشاركة الجميع. كيف نكون أوفياء لثوابتنا وخصوصياتنا المغربية المتفردة، ونتطلع للتفاعل مع متطلبات الحياة العصرية. كيف نواجه الأزمات بروح التضامن والتعاون، ونتطلع لتوطيد التكافل والتعاضد ضمن المشاريع الاجتماعية المعززة لسيادة الدولة وأمن المواطنين وسلامتهم. كيف نتحلى بالتفاؤل ونركز على نقاط قوتنا ونقدم المصالح العليا للوطن، ونتطلع نحو تحويل التهديدات الاقتصادية إلى فرص استراتيجية للتنمية. كيف نبقى متحلين بروح الأخوة وحسن الجوار رغم القطيعة والإساءة، ونتشوَّف إلى تلبية تطلعات الشعوب المغاربية في الاندماج والتكامل والازدهار. ذلك هو خطاب العرش، كما هو دائما، يرسم لنا كيف نكون "نحن" حيث نتطلع أن نكون !

التعليقات

أضف تعليقك