تقدير موقف لما بعد الاستفتاء.. دسترة حكم فردي يضاعف مخاوف التونسيين إزاء مستقبلهم

تقدير موقف لما بعد الاستفتاء.. دسترة حكم فردي يضاعف مخاوف التونسيين إزاء مستقبلهم
الخميس, 4. أغسطس 2022 - 21:13

تحاول ورقة تقدير موقف صدرت عن مركز الجزيرة للدراسات، أن ترصد السياقات التي جرى في ظلها الاستفتاء على "الدستور الجديد" بعد عام على خروج تونس من مسار انتقالي ديمقراطي متعثر ودخولها تحت حكم إجراءات استثنائية أقدم عليها الرئيس قيس سعيد، في 25 يوليوز 2021، وانقسام التونسيين إزاء تلك الإجراءات.
تقول الورقة الصادرة الأربعاء 03 غشت 2022، إن الرئيس سعيّد تمكن خلال عام سابق على الاستفتاء، من إلغاء أغلب المؤسسات الدستورية التي نشأت على مدى عشر سنوات من البناء الديمقراطي، بدءًا بغلق البرلمان وإعفاء الحكومة وتعطيل الدستور، مرورًا بإلغاء الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وانتهاء بحل وإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء والهيئة العليا للانتخابات.
مبرزة انقسام الشارع التونسي إزاء تلك الإجراءات بين مؤيدين رأوا فيها تصحيحًا لمسار الثورة ومعارضين اعتبروها انقلابًا على الديمقراطية وحكم الدستور. وجاء استفتاء الخامس والعشرين من يوليوز 2022 ليعمِّق هذا الانقسام ويرفع من درجة عدم اليقين بشأن مستقبل البلاد
والمسارات التي يمكن أن تسلكها.
وأبرز التقرير، أن العنوان المركز لما قام به سعيد خلال هذه السنة، يمكن وضعه تحت عنوان مركزة السلطة ومحاولة إخراج المعارضة من دائرة الفعل والتأثير.
وأوضح المصدر ذاته، أن المعارضة نشطت واتسعت حركتها وتعددت جبهاتها وتقاربت أهدافها دون أن تتمكن من إفشال ما تعتبره انقلابًا، أو تثني الرئيس عن المضي في تنفيذ مشروعه، أو حتى تدفعه إلى حوار وطني شامل حول مستقبل تونس وما يواجهه من تحديات على أكثر من صعيد.

شعبية الرئيس تتآكل ومعارضته تتسع

أبرز التقرير أن شعبية الرئيس تتراجع، خاصة وأن الفئات التي التفَّت حول قراراته في البداية ورأت فيها تصحيحًا لمسار الثورة، خاب أمل الكثير منها بعد أن فَقَد ثقته في قدرة الرئاسة على تحقيق مطالبه وانتظاراته، خاصة على مستوى تحسين الظروف المعيشية، واسترجاع الأموال المنهوبة، ومحاربة الفساد، أو تبني خيارات اقتصادية بديلة.
وتوقف التقرير عند مؤشرات تراجع شعبية سعيد، ومنها أنه لم تنظم أي مسيرات داعمة له في الشارع التونسي، توازي أو تكبر مسيرات المعارضة، فضلا عن ضعف المشاركة في الاستشارة الالكترونية وفي الاستفتاء على الدستور، مقابل تشكيل ثلاث جبهات أو كتل سياسية معارضة، ذات توجهات فكرية وإيديولوجية مختلفة.
على الصعيد الخارجي، يقول التقرير، ظل الموقف الأوروبي والأميركي في عمومه رافضًا لإجراءات سعيّد الاستثنائية وما نجم عنها من قرارات لاحقة اعتُبرت في مجملها تكريسًا لسلطة الفرد وحيادًا عن الديمقراطية وحكم الدستور، ولكن ذلك الموقف لم يخرج عن دائرة الاحتجاج الإعلامي ليتحول إلى ضغط سياسي فاعل ومؤثر.

ما بعد الاستفتاء
يؤكد المصدر ذاته، أن الرئيس سعيد لا يبدو أنه يكترث لمدى تراجع شعبيته التي أوصلته إلى الحكم في العام 2019 واتخذ على أساسها إجراءاته الاستثنائية في يوليوز 2021. بل يبدو أنه يعيش حالة إنكار لهذه الحقيقة بإصراره على نجاح الاستفتاء وإنفاذ دستور عزف عن التصويت له وقاطعه أكثر من ثلثي الناخبين.
ما يدفعه للمضي في ذلك إدراكه أن الشعبية في وضع غير ديمقراطي لا تكون محدِّدة لاسيما إذا كانت باقي عناصر المعادلة مختلة لصالحه، ومنها تفرق المعارضة، وارتباك الاتحاد التونسي للشغل، واستمراره في تركيز أسس نظامه السياسي مسنودًا أساسًا بمؤسستي القوة الصلبة، الجيش والأمن، فضلا عن الموقف الخارجي الذي في عمومه يميل لصالح استمرار الأمر الواقع.
وتتوقف الورقة عند الأثر العملي لسعيد على مستوى معالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، لتقول إنه لم يقدم شيئا على في هذا الجانب، بل إن الإجراءات التي تفكر فيها الحكومة ستستهدف كتلة الأجور والدعم والقطاع العام، بما يعني تحميل المواطنين تكاليف معيشية إضافية.
وتحدث التقرير عن الأحزاب الصغيرة، مشيرا إلى أنها معرضة للاندثار أو المزيد من الانحسار بسبب انعدام التأثير وغياب الجاذبية الجماهيرية التي يخلقها النشاط السياسي في مناخ تنافسي سليم، مؤكدا أن اتحاد الشغل سيكون في وضع سلبي، بسبب تردده وتخبطه وارتهانه لحسابات بعض قياداته وانحيازاتهم السياسية والأيديولوجية.
وخلصت الورقة، إلى أن ما يمكن أن يعوق سير الأحداث في هذا الاتجاه، تطورات محتملة في المجالين السياسي والاجتماعي. فالمعارضة السياسية، وإن بدت في الوقت الراهن هشة ومتفرقة على أكثر من جبهة، إلا أن تقاربها واشتراكها في الأهداف والشعارات واضح، ولقاؤها في جبهة واحدة غير مستبعد. 
وأبرزت أن التحدي الاقتصادي والاجتماعي الذي يواجهه مشروع سعيّد، هو الذي يُتوقع أن يلعب الدور الأساسي في توجيه كفة الأحداث مستقبلًا. مؤكدة أن الطريقة التي سيتعامل بها كل طرف مع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، التي باتت شأنًا عالميًّا أكثر تعقيدًا، خاصة في سياق الحرب الروسية على أوكرانيا، هي التي ستحدد طبيعة الأدوار وحجم التأثير لمختلف الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي خلال مرحلة ما بعد الاستفتاء.

التعليقات

أضف تعليقك