حكومة أول مرة

حكومة أول مرة
الجمعة, 16. سبتمبر 2022 - 18:26
المحجوب لال

في بحر هذا الأسبوع، قال وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، يونس السكوري، إن إطلاق الجولة الثانية من الحوار الاجتماعي، "يأتي، ولأول مرة في تاريخ المغرب، قبل التصويت على قانون المالية"، وردد الوزير في مناسبات عدة أسطوانة "أول مرة"، وكأنه يبشرنا بعهد جديد لم نر له في سابق البلد من مثيل.
والناظر إلى كلام الوزير "البامي" ومعه رئيس الحكومة وناطقها الرسمي وعدد من أعضائها، والذين لا يكاد أحدهم يعلن عن إجراء ما، حتى يردف قائلا إنه لأول مرة، يجد هذه "الأوليات" المفترى عليها، إما أنها موجود من قبل وحان موعد تنفيذها كبعض مقتضيات اتفاق أبريل مع حكومة العثماني، أو بعض المراسيم التي أعدتها الحكومة السابقة وكانت تنتظر فقط التوقيع، خاصة منها ما ارتبط بالتغطية الصحية للمهنيين والأجراء.
لكن حين أسمع كلمة "أول مرة" من لدن الحكومة، لا يخطر ببالي سوى أن ما تبشر به من إجراءات، خاصة على المستوى الاجتماعي، مع نسبتها للذات دون ذكر التراكم المتحصل للوصول لها، هو صنف جديد من سرقة جهد الغير وتدليس على السامعين، بالمنطق القائل: "الآخرون هم الجحيم".
كما يخطر في بالي أنه فعلا لأول مرة لدينا رئيس حكومة هو التاجر والمقاول الأول في البلد، وأنه يستفيد إلى الآن، من ريع الغاز المدعوم من المال العام، دون أن يكشف بالأرقام والمعطيات والوثائق، ما يثبت التزامه بأخذ الحق والحق فقط.
ولأول مرة أيضا، لدينا شعب ينادي بخفض أسعار المحروقات ويطالب رئيس الحكومة بالتدخل، لكن، أنى للشعب أن يكون صوته مسموعا، ورئيس الحكومة هو الفاعل الرئيس في قطاع المحروقات، وكل يوم يمر مع هذا الغلاء، تنضاف ملايين الدراهم إلى حساباته الخاصة، ولذا، أعطى الرجل الدليل القاطع لانتصاره لمصلحته الخاصة على المصلحة العامة.
ولأول مرة أيضا، يبادر الفاعلون في قطاع المحروقات والسلطات الحكومية في فرنسا واسبانيا وبريطانيا وغيرها، إلى خفض أرباح شركات المحروقات، وتحويل تلك الأرباح والعوائد الضريبية الإضافية إلى دعم مباشر للمتضررين، وعندنا رئيس الحكومة، رغم جمعه بين الصفتين، السياسي والتاجر، يلوذ بحبل متين من الصمت، لا يدل سوى على فقر كبير في الإحساس بمعاناة الشعب وطبقاته الهشة.
ولأول مرة كذلك، تسارع الحكومة إلى سحب مشاريع القوانين المتعلقة بالحكامة ومحاربة الفساد، وكأن وجود تلك القوانين في مؤسسة التشريع يرهبها، فضلا أن تتم المصادقة عليها، مما يدل أن أرجلها ترتعد من "كشف الحساب"؟
ولأول مرة لدينا عضو في الحكومة السابقة، يقود الحكومة الحالية، يبشر المواطنين بإصلاحات في الشغل والتعليم والصحة وغيرها، قبل سنوات من الانتخابات البرلمانية، دون أن يبادر إلى اقتراح أفكاره "الخارقة والخلاقة" على زملائه في الأغلبية الحكومية لإصلاح ما يمكن إصلاحه، كاشفا عن مقايضة لا تليق برجل سياسة يدعي حبه للشعب أو غيرته عليه.
ونختم بالقول، إن "أول مرة" الحقيقية، هي أن المغرب شهد ما بين 2012 و2021 حكومتين قادهما حزب العدالة والتنمية، وخرج منهما بنزاهة يد ونظافة ذمة، وكان فيهما المغرب مضرب مثل في الاستقرار السياسي والاجتماعي، واليوم، "لأول مرة" حقا، لدينا حكومة بالأغلبية الساحقة التي صُنعت لها، تجر البلاد جرا نحو التوتر واللااستقرار، بسلوكيات مستفزة، وتكبر واضح، واستهتار بالمسؤولية كبير، وتنكر بيّن للوعود الانتخابية، وضعف في الكفاءة، وجمع مفضوح بين السلطة والمال.

التعليقات

أضف تعليقك