رحموني يكتب عن إعادة بناء القوات الشعبية لحماية الاصلاح

قراءة : (35)
 
خالد رحموني  * 
لا يحدث التحول الديمقراطي تلقائياً، ولا يتم إنجازه بمحض ارادة منفردة لمركز السلطة، أو لأن الحاكمين والطبقات التي تسندهم وتُشكل قاعدة اجتماعية لهم، اقتنعت بضرورة الانعطاف طوعا صوب الخيار الديمقراطي بدون رجعة.
بل إنه، يتم تحت ضغط سياسى وجماهيري من طرف قوى سياسية ومدنية وجماهيرية لها رجحان في ميزان القوى، وتعتبر القوى الحزبية الحقيقية ذات العمق الشعبي أحد الأركان الأساسية لهذا التحول، وبدون تعددية سياسية وحزبية حقيقية متينة قوية وفعالة قادرة على تعبئة قطاعات وفئات وقوى جماهيرية واسعة، فإن القدرة على إنجاز ذلك التحول الديمقراطى نفسه تظل محدودة.
ذلك أن الديمقراطية في جوهرها حق الشعب في اختيار من يدبر شؤونه وتغييرهم دورياً من خلال انتخابات حرة ونزيهة عبر صناديق الاقتراع، وفي هذه الحالة سيختار ممثليه في المجالس النيابية والمجالس الجماعية المحلية لاحقا، وكذلك رئاسة السلطة التنفيدية من بين بدائل عديدة مطروحة عليه وبرامج سياسية متمايزة، بل ومتناقضة.
وما لم تكن الأحزاب السياسية قادرة على تقديم هذه البدائل، وبلورة برامج سياسية تحقق مصالح المجتمع العليا، وتحقق مصالح الفئات الاجتماعية التي تمثلها، ولها نخب وقيادات وأطر تسندها شرائح مختلفة من نسيج هذا الوطن المأسور لقوى الردة الفاسدة والمستبدة، فإن تداول السلطة سلميا وسياسيا والتناوب على دفة تدبيرها تنفيذيا يفقد قيمته الحقيقية وشرعيته السياسية هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، فإن التحول الديمقراطى عينه لا يحدث عفوا، ولا يتأسس تلقائياً ولا يتم لأن قوى الحكم والطبقات المسندة لها قد اقتنعت إراديا بالديمقراطية، بل يتم تحت ضغط سياسى وجماهيرى تقوده ذات القوى السياسية والمجتمعية صاحبة المصلحة والرغبة فى التغيير.
ولا يمكن لهذا الضغط أن يحقق نتائج ملموسة، ما لم يتم من خلال أحزاب سياسية جماهيرية قادرة على تعبئة الجماهير خلف شعاراتها ومطالبها وبرامجها السياسية، بوضوح وانغراس واصرار   .
من أجل ذلك فالتنظيم الحزبي نفسه لا ينشأ تلقائياً؛ لكنه يبنى وينضج تدريجياً من خلال النشاط السياسي والتجذر الجماهيرى لقياداته ومن خلال الحاجة إليه حكما وقطعا.
وكلما امتد الحزب السياسى إلى مواقع تنظيمية جديدة وفضاءات مجتمعية بكر، إلا وقويت قدرته الجماهيرية وجاهزيته النضالية ومراسه في التدبير ورفع التحديات.
وما لم تتدارك الأحزاب السياسية – وأقصد هنا الحديث عن قوى المعارضة المجازية وبعض من التنظيمات المجهرية - نقاط ضعفها الحقيقية والتي تسبب لها تجريفا عميقا مجتمعيا في تموقعها السياسي، وعلى رأسها غياب التنظيم الحزبى الحي المتغلغل فى صفوف الناس والقائد لحركة الجماهير والقوات الشعبية، فإنها ستظل عاجزة عن الضغط من أجل استكمال عملية التحول الديمقراطى العميق والحقيقي، بما فى ذلك جملة من أهداف بعض الطيف السياسي المعزولة والمحدودة الافق، من ارادة اعادة صياغة تعاقد سياسي بديل يحقق الهدف الأساسى للحراك الاصلاحي الشعبي المتداعي مغربيا، وهو إسقاط نظام الاستبداد واقامة نظام ديمقراطى بديلا عنه حتى وهي – القوى السياسية رافعة هذا المطلب – تعاني من محدودية في الحضور وانحسار في التطلع، وتعاني أعطاب واعراض النمو، بل تختنق من جراء الازمة السياسية والتنظيمية، وتستعيض عن ذلك بعملية استبدال سيكولوجية وسياسية لعجزها الديمقراطي الفادح وضعفها المجتمعي البئيس .
من هنا، فإن الأحزاب السياسية– مهما كانت - لكي تحقق هذا الشرط، فإنها مطالبة بإعادة النظر فى توجهاتها السياسية والجماهيرية وصياغة استراتيجية جديدة لنضالها السياسى تمكنها من تقوية دورها السياسى والجماهيرى، والتأمل الهادئ في مسارها ومصيرها، وإلا فإنها ستكون مهددة بالانقراض والاخفاء والاندثار.
*عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية