رحموني يكتب : مستقبل السياسة في المغرب.. اصلاح الدولة بين رتابة الجمود وحركية الاصلاح

قراءة : (134)

خالد رحموني
يُهيمن منظوران على اللحظة الفارقة التي يجتازها الحراك السياسي الاصلاحي في المغرب، كما تتحكم رؤيتان في المشهد السياسىي الراهن، يُمكن تلخيص كل واحدة منهما في كلمة واحدة: الأولى، يمكن أن نطلق عليها رؤية «الجمود»، والثانية رؤية «الحركة».
وتتصارع الرؤيتان والديناميتان معا، حول حاضر ومستقبل البلد السياسي، ومنه نمطه التنموي، وتفرض بالتالي على نفس الحراك الاصلاحي طبيعة الايقاع الذي من المفروض أن يتحدد به، فإما التقدم والانطلاق وبناء المستقبل، وإما الرتابة واعادة انتاج الماضي وبالتالي الجمود والكمون.
ماذا نقصد؟ وكيف يتم هذا؟


1- صراع بين نمطين وسياقين
بداية، نقصد برؤية «الجمود»؛ منظور ورؤية من جاء إلى السلطة وافدا إليها بقناعة مغرقة في الوثوقية والدغمائية أن دورة الحراك الاصلاحي الجماهيري ذي المسحة السياسية انتهت، وصار يدير الأمور – جراء ذلك الاقتناع - بمنطق ادارى مكتبى معزول ومريح حيث كل شىء ، عاد إلى أصله أو ينبغي أن يكون كذلك.
أما رؤية «سيولة الحركة »؛ فترى أن دينامية الاصلاح لم تحقق مطالبها بعد، ومن ثمة وجب الاستمرار في الاحتجاج والنضال إلى أن تتحقق أهداف الحراك الديمقراطي المغربي.
إنه الصراع بين فكر وسكونية الدواوين والترتيبات الادارية وفكر وحركية المجتمع، إنه صراع بين عالمين مختلفين تماما.
تنظر رؤية الجمود إلى الأمور بشكل تبسيطى وثنائى،  فلقد أجريت انتخابات فرضت نزاهتها التامة ومصداقيتها، ومن ثم لابد من القبول بشرعية السلطة  التنفيذية الجديدة، وأي خروج على هذا التفكير، إنما يعنى أن هناك قوى مضادة للاصلاح تفعل فعلها بدينامية، ولابد من القبض على ايقاع مثيري التشويش.
وإنه ينبغى استكمال بناء مؤسسات الدولة، بعد دورة الحراك الديمقراطي سعيا إلى الاستقرار من أجل قدوم الاستثمار وتحريك دورة الانتاج، والسلطة التنفيذية تقوم بمهامها على أكمل وجه. فى المقابل نجد، وقد تجمعت الأسباب المختلفة للغضب عند أنصار «الحركة» لتكون ما أطلق عليه اسم «الغضبة الكبرى» لأنهم يرون أن السلطة  ،الجديدة وهي جديدة بالفعل من حيث أنهم ليسوا الوجوه التي حكمت على مدى عقود، تتبنى نفس النهج الاقتصادي والتدبيري الذي سلكه من كان قبلهم وأدت إلى افقار البلاد وانتفاء العدالة بكل أبعادها ومستوياتها، واتبعوا نفس السياسات الأمنية القمعية المهينة لأبناء المغرب الكرماء، ولجؤوا إلى تقييد الحريات بتبني سياسات مقيدة للحريات.
إذا، هو تراجع تام – حسب هذا التقييم- عن تحقيق مطالب الحراك الذي انطلق في رحم المغرب  الجديد ما قبل 20 فبراير 2011 وتعزز من خلال فعالياتها وتاريخيتها.
والأخطر، أن من ينتمون لحركة الاصلاح الديمقراطي التراكمي، وجدوا الرموز السياسية والاقتصادية للسلطة الجديدة، بدأت تتواصل مع الرموز والمفاهيم الاقتصادية والسياسية للسلطة القديمة.
إذا، الرؤية المكتبية الجامدة للاصلاح ترى أن كل الأمور تسير على ما يرام وتمضي على الوجه الأكمل، وفق منطق الاصلاح في اطار الاستقرار، بشكل طيب لولا المؤامرات وقوى الردة المضادة ويستخدم نفس المفردات التاريخية التي استخدمتها بعض القوى السياسية في التجارب السابقة، وكأنه يستحضرها من أرشيف ديوان السياسة في البلاد..ورؤية الحراك الديمقراطي التي ترى أن هناك الكثير الذي لم ينجز والأكثر إعادة انتاج القديم وضخ الدماء الجديدة الفوارة فيه.. وبين الرؤيتين: «الجمودية الستاتيكية » و«الميدانية الحركية»، تكمن الأزمة السياسية والاجتماعية الراهنة...كيف ؟

 
2- تحولات كبرى .. استجابات كبرى :
بالعودة إلى خبرات الآخر، وإلى الأدبيات المعتبرة التي رصدت وسجلت ونظرت لنضال الشعوب من أجل التقدم، نجد أن من أهم المعايير التي تقاس بها مدى كفاءة وفعالية التقدم "حدوث «تحولات نوعية فارقة » في مجالات المواطنة والديمقراطية والتنمية والنهوض الاجتماعي العام . وفي نفس الوقت تجاوزت دول الموجة الرابعة من التحول الديمقراطى بمعناه الشامل بحسب الباحثين في مجال العلوم السياسية ما يلى:


•  في تجاوز مأزق النظرة التقليدية  للاصلاح
وهى النظرية التي كانت تسمح بانتهاك الحقوق بدعوى ضرورات الانتقالية ثورية كانت أو اصلاحية. أو تدفع الحاكم بدعوى ضبط  الوضع العام والتحكم في مقاليد الأمور والسيطرة على المؤسسات أن يلجأ إلى بناءات وصياغات دستورية استثنائية تصنع شرعية مناقضة للشرعية التي جاءت به.
والمفارقة الكبرى هنا، أننا سنجد السلطة الجديدة، وقعت في نفس الأخطاء الكبرى التي وقعت فيها كل السلطات السياسية الانتقالية داخل اللحظات التاريخية الكبرى على اختلافها.
واقع الحال لم تستطع الذهنية «الديوانية، المكتبية» للسلطة الجديدة - ومعها حتى لا نظلم السلطة الجديدة - الكثير من عناصر النخبة الفكرية والاعلامية والسياسية،  وكذلك القوى والبنيات والمؤسسات القديمة التى لا تزال تحلم بعودة القديم وإعادة إنتاجه، ومده بأسباب الحياة،  وأيضا الشرائح الاجتماعية التي كانت لها مصالح وثيقة مع النهج القديم للسياسة والاقتصاد، فضلا عن جزء من الطبقة الوسطى المترددة، والتي تظن أن القديم كان أفضل مع غموض المستقبل وطول المرحلة السياسية الحالية والموسومة بالانتقال والتي ربما تؤدى بنا إلى ما لا يحمد عقباه من تهديد اسس الاستقرار والوفاق المجتمعي العام.
(لم تستطع) تلك السلطة الجديدة، ومعها ما سبق ذكره لحد الآن، الاستجابة لما أطلقت عليه المرحلة التاريخية بالتحولات الكبرى، ولا الوفاء بمقتضياتها، التي جرت في مغرب اليوم بفعل حراكات اصلاحية عميقة غير نمطية، أظنها مستمرة وممتدة بأشكال عدة مبتكرة، وهنا مربط الفرس.


3 - مأسسة المطالب الاصلاحية، دينامية المجتمع كسند لعمق الاصلاح
إن الحراك الاصلاحي  الذي جرى في المغرب لم يكن حراكا نمطيا على شاكلة الحراكات الاصلاحية الكبرى، أو ما تلاها من ارتدادات أو ثورات أخرى. إنه «حراك مركب»، تداخلت فيه عناصر مجموعة منها : الجيلى، والطبقى، والمكانى والجهوى، والديني، والمذهبي والجنسي. حراك تم على مراحل واتخذ أشكالا مبدعة من الاحتجاج في ظل لحظة معرفية وتقنية يسرت للطليعة الشبابية أن تؤمن تغييرا غير مسبوق وفريد. حراك في مواجهة عقود من الاستبداد السياسي والريع الاقتصادي والجمود الثقافي أوصل البلاد  إلى ما هى عليه.
وعليه، فإن ذهنية الجمود الاداري، لن تنجح إلا اذا استجابت للتحولات الكبرى التي حدثت من :
 أولا: التحرك القاعدي للمواطنين.
 ثانيا: مواجهة النظام السلطوي الأبوي.
 ثالثا: إسقاط القداسة والعصمة عن السلطة/الحاكم، ونفي مركزية الحاكم.
 رابعا: اسقاط الشمولية كنهج في السياسة والاقتصاد والثقافة، وأى محاولة للارتداد عليها ستواجه بذهنية وإبداع الحراك الديمقراطي الاصلاحي العميق.
خاصة أن هذه التحولات تحدث في ظل أجواء عالمية تشهد تضاعفا للمعرفة وتجددا للتكنولوجيا غير مسبوق، الأمر الذي يستدعى خروجا على المألوف، إن الحراك "نقيض الجمود"،  وواقع الأمر أن خروج المواطنين - باختلاف توجهاتهم - إلى الساحات والفضاءات العمومية، إنما يعنى أنهم ضاقوا بالنمطي والتقليدى والمكتبى، الأخير الذي وظيفته «ترتيب» الملفات...الخ، مع بقاء كل شيء على حاله.
لابد إذا، لمواطني الحراك الديمقراطي أن يجدوا السلطة التنفيذية الوليدة والجديدة تعبر عنهم وعن مطالبهم برؤى ولغة مختلفة.
أبدع المواطنون في الميادين، فلما لا تنتقل هذه الابداعات إلى السلطة أو يتم مأسسة ابداعات الميادين،
ألا يستوقف أهل الجمود السلطوي المحافظ هذه الابداعات النضالية الجماهيرية التي لا حصر لها، والتي تتم خارج المؤسسات الطبيعية أوالقنوات المؤسساتية التي من المفترض أن تخرج منها الإبداعات والاقتراحات .
لننظر إلى الفعاليات الشبابية في شتى المجالات، وكيف تبدع في كل مساحة شاغرة تجدها حتى تصطدم بموظفى الدواوين الوزارية والتراتيب الادارية  يمنعونها وفق اللوائح، وهكذا ورثت السلطة الجديدة من السلطة القديمة أسوأ ما كانت تحمى به نفسها من جهة، وتمنع به حراك المواطنين من جهة أخرى.
الأكيد أن حركة المواطنين سوف تستقوى بالميادين وبالساحات الجماهيرية، وتستلهم روحها وتعود إليها عند اللزوم، إذا ما ظن البعض أنه يمكن حصار التغيير أوكبحه أو حده طبقا لمصالح القلة من النخب المعزولة.
إن التغيير إن لم يكن كاملا مكملا، ووفق أعلى المستويات التي عرفتها الانسانية باختلاف ثقافاتها ستستمر الحيوية في الساحات النضالية الجماهيرية، ويجب أن تستمر تحصينا للمرحلة واحقاقا للتوازن الاجتماعي المأسور.
وسيكون لسان حال المواطنين، ما قاله أحد المفكرين الرموز في نبرة لها يقين النصر في الخلاص التاريخي من أعطاب الماضي الاستبدادي:" التاريخ لنا، تحددت جهته، وأشرت لمصير نهائي حتمي، و هذا ما يصنع الشعوب"...
غير أن التاريخ، لا تصنعه سلطة قاهرة أو قوة باطشة، وإن كانت ناعمة، فإنهما غير قادرتين على ايقاف سير التطورات الاجتماعية والسياسية الكبرى، الماضية باصرار في اتجاه التاريخ ومنطقه حتى منتهاه.


*عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية