تليدي يكتب : معالم موجهة لنجاح الدبلوماسية المغربية في قضية الصحراء

قراءة : (78)

13.04.25
المعطيات التي تجري على الأرض بخصوص ملف الوحدة الترابية تؤكد بأن الدبلوماسية المغربية حققت انتصارا حقيقيا لا يرتبط فقط بالنتيجة، أي سحب مسودة القرار الأمريكي، ولكن أيضا بحجم الدعم الدولي للموقف المغربي، إذ خلافا للمتوقع، لم يكن الموقف الأمريكي محاصرا فقط بالموقف الفرنسي، وإنما أيضا بالموقف الإسباني والروسي، ولعل هذا ما جعل قيادة البوليساريو تشن هجوما عنيفا على فرنسا وإسبانيا بسبب دعمهما للموقف المغربي، بل هذا بالضبط ما جعلها تخرج عن صوابها وتهدد عبر بعض قياداتها للرجوع إلى حمل السلاح.


والواقع أن هذا الانتصار ما كان ليتم من غير استراتيجية قوية اعتمدت تقوية لغة التفاوض السياسي بالاستناد على ورقة الأمن والاستقرار في المنطقة واتخاذ قرارات سيادية تخص إيقاف بعض المسارات الثنائية الاستراتيجية والأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ورفع منسوب التعبئة الوطنية بدمج جميع مكوناتها في دبلوماسية ضاغطة، والمزاوجة في التفاوض بين توسيع جبهة الرفض الدولي للموقف الأمريكي من جهة، والدخول في تفاوض مباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثانية.


ينبغي أن نسجل هنا، أن هذا الانتصار ليس إلا أوليا، فلا زال التفاوض قائما، ومن السابق لأوانه الحديث عن انتصار كلي، فلحد الساعة ما تم تأكيده هو سحب مسودة القرار الأمريكي بشأن توسيع مهام المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، ولا تزال الصيغة التوافقية بشأن آلية حقوق الإنسان محل تفاوض سيكشف القرار الأممي عن حقيقتها، وسيتم حينها الحكم على هذا الانتصار، وهل هو كلي أم لا يعدو أن يكون مجرد خروج من الوضعية الصعبة.


كما ينبغي أن نسجل ثانيا، بأن الدينامية الدبلوماسية التي اعتمدها المغرب لمواجهة الموقف الأمريكي المنحاز لخصوم الوحدة الترابية لم يكن وليد الساعات المتأخرة كما تزعم بعض التحليلات، بدليل أن تطور الموقف الإسباني نفسه ما كان ليصل إلى هذا المستوى لولا النقلة البعيدة التي حصلت في العلاقات الخارجية بين البلدين في السنتين الأخيرتين.


ومع كل هذا التطور الذي حصل، والذي جنب قضية الوحدة الترابية كارثة وطنية كان سيكون لها تداعيات خطيرة على أمن المنطقة واستقرارها، فإن اللحظة اليوم، ليست لحظة انتشاء بالانتصار بقدر ما هي لحظة يقظة وتأمل وتفكير عميق في التحولات التي حصلت، وأثرها في تحديد بوصلة موجهة للدبلوماسية المغربية.
من هذه الجهة، يمكن القول بأن تحولات الموقف الدولي، والتي تفسر انتصار الدبلوماسية المغربية ولو بشكل أولي، تسمح بالتقاط معالم يفترض أن تصير موجهة للدبلوماسية المغربية في خدمتها لملف وحجتنا الترابية:


1- أن استعمال ورقة حقوق الإنسان لإضعاف الموقف المغربي سيظل يمثل تحديا مباشرا للدبلوماسية المغربية وسيعرف أشكالا أخرى متجددة، مما يفرض تعميق التوجه الديمقراطي في المغرب، وتعزيز فاعلية الآلية الوطنية لحقوق الإنسان ورفع درجة اليقظة والجاهزية لمواجهة مناورات خصوم وحدتنا الترابية بكل الذكاء المطلوب.


2- أن رفع منسوب التعبئة الوطنية وتنويع الرد المغربي بإدماج كل المكونات الرسمية والمدنية والشعبية، ينبغي أن يصير حالة عامة ومطردة، وليس فقط جوابا موسميا على التحديات الباعثة عليه، وإلا سيضطر المغرب كل سنة، ومع شهر أبريل تحديدا، إلى تكثيف هذا التمرين كلما برز التحدي، ثم الرجوع إلى حالة الارتخاء عند زواله في متلازمة مغلقة لا يمكن توقع نفس النتائج دائما بشأنها.


3- أن لغة التفاوض السياسي ينبغي أن تستند إلى المصالح التي تفهمها بوضوح الأطراف الدولية لا إلى مفردات العلاقات التاريخية والأخوية التي أثبتت التطورات الأخيرة أنها غير مجدية، فالموقف الإسباني، وقبله الفرنسي، ما كان ليكون داعما للموقف المغربي لولا لغة المصالح المقنعة، والموقف الأمريكي نفسه، ما كان ليتراجع لولا اللغة الحازمة التي استعملها المغرب بشأن مستقبل أمن واستقرار المنطقة في ظل تعثر مسلسل التسوية.


4- عدم وضع البيض كله في سلة واحدة، والرهان على تنويع الدعم الدولي، واعتماد كل أساليب التفاوض الممكنة بما في ذلك الجمع بين رفع منسوب الضغط ضد الموقف الأمريكي، والدخول في تفاوض مباشر معها في الآن ذاته.


5- الانتقال إلى السياسة الدبلوماسية الهجومية عبر التسريع في تنزيل الحكم الذاتي على الأقاليم الجنوبية، والضغط لتحميل الجزائر مسؤولية التحديات الأمنية التي تهدد استقرار المنطقة في حال إبطائها في تنفيذ توصيات التقرير الأممي بخصوص تحسين العلاقات بين البلدين وتعزيز التعاون الاقليمي والاندماج الاقتصادي في إطار الاتحاد المغاربي.
*باحث أكاديمي