رحموني يكتب: سيادة الشعب من خلال سلطة الاقتراع العام : تلك هي القضية في الصراع السياسي اليوم

قراءة : (1801)

خالد رحموني *
حمل الاقتراع العام لـ 25 نونبر 2011 إيذانا بتأسيس سلطة المجتمع وبإحداث منعطف حاسم، وبناء شرعية سياسية جديدة قوامها الإرادة العامة والسيادة الشعبية، وبذلك صار التغيير العميق في بنية الدولة وكيان المجتمع حلماً صاعدا ينمو، وأملاً وليدا يتشكل بعمق وإصرار، ليس للعدالة والتنمية معية العائلة الديمقراطية والوطنية وحدهم، بل، لكل المغاربة وبجميع أطيافهم، وكرست اقتناعا في أن الأفق مفتوح لبناء مغرب جديد جدير بأبنائه تتحقق فيه المواطنة الكاملة عملياً على أرض الواقع .
حلماً يقوم على التواصل مع لحظات النهوض الوطني في المغرب الحديث بعد معركة التحرر الوطني منتصف القرن الماضي، والانقطاع مع فترات التردى والنكوص والارتداد والانحطاط والاستبداد النازل .
 
إنه بداية تشكل مغرب جديد تتجدّد فيه النخبة السياسية والثقافية المغربية القائدة للفعل العام : جيلياً وطبقياً ونوعياً، وثقافياً ودينياً،...إلخ . وتُحدث مؤسسات الدولة الوطنية الديمقراطية الشرعية لتضطلع بمهامها في تحقيق التقدم لكل المغاربة، وفق نموذج تنموي حقيقي يتجاوز اقتصاد السوق المفتوح والمتوحش والطفيلي والرأسمالية الريعية ـ في الأغلب ـ والتجارية أحيانا والعقارية.
إنه الأمل الذي وضع ملامحه الحراك الديمقراطي الربيعي الذي انطلق في 20 فبراير 2011، وشاركت فيه كل الفئات والطبقات والتشكيلات والتنظيمات المدنية والسياسية والدون شبابية والإيديلوجية، بلا عناوين أو فروق وتمايزات، كان هدفهم واحد، هو تفكيك الاستبداد ومحاربة الفساد العمومي وتكريس وطن لكل أبنائه، فيه صون للكرامة، غير مهدرة الحقوق، محققة والثروات موزعة بالعدالة والسلطة قرينة المسؤولية والمحاسبة.


إنه أمل أصبح معياراً يتم القياس عليه، وصار مرجعا لكل تقدم. وذلك بالنسبة لما يلي من شروط ومتطلبات: 

- جوهر الحياة الاجتماعية والعامة التي يجب أن تُعاش : الكرامة الإنسانية.
- نمط الحياة وتأمينها بالأساسيات المعيشية وللحياة المشتركة: الكفاف في العيش المتوازن
- طبيعة الدولة الخادمة للمجتمع، لا المتحكمة في مفاصله، والنموذج التنموي المطلوب ومقوماته التي تضمن المساواة والعدالة التوزيعية والمشاركة العادلة الواعية للجميع، والتضامن بين المواطنين القائم على التمكين والتقدم والرفاهية لا الوصاية أو منطق الرعاية لا المواطنية أو الخيرية: الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية.
لقد تشارك كل المغاربة في رفع هذا الشعار دون تمييز والانحياز لهذا الأفق.
وتجسدت جهود عقود في التبشير بالمواطنة والانتماء الجامع حقيقة ونضالا مريرا في الواقع.
 
خرج المغاربة من كمونهم في الانتماءات والتحيزات الأولية والثانوية أوالعضوية، الكمون الذي لجأوا إليه في مواجهة الانسداد السياسي والمدني، وإغلاق الحياة العامة والسياسية منها بالخصوص، لتصير هامشا ديمقراطيا يكرس وضع الاستبداد الناعم، وقد أفضى إلى تخلي الدولة عن توفير متطلبات الحياة الكريمة الأساسية من التطبيب والتعليم والسكن ... إلخ، لكن قبل ذلك من رحيق كرامة وآدمية، مما أدى إلى انفجار أحداث توتر دراماتيكية دورية ومتكررة على مدى عقود منذ الاستقلال الوطني إلى اليوم.

خروج إلى مغرب جديد جامع لكل المغاربة، هكذا كانت نداءات المرحلة التي تعزز فيها الطلب المجتمعي على التغيير الشامل وتكثف المسعى لانجاز الانتقال الديمقراطي الناجز والتام بلا خط رجعة إلى عهود الاستبداد والسلطوية والتحكم البائدة والكالحة .
 
ولقد تكرس في الوعي الجمعي للناس أجمعين إدراك راسخ لا يتزعزع، بأن ملامح المغرب الجديد يستحق بذل التضحيات الجسام، وممارسة النضال المرير والمثابرة من أجل بناء الديمقراطية ودولة المواطنين لا الرعايا، والمشاركة فى تحقيقها بنيات ومؤسسات وعلاقات، وأنه لا تنازل عن ذلك مهما كانت الكلفة والثمن المبذولين في سبيل ذلك، كما لا يمكن القبول بما هو أدنى من ذلك.

للأسف الشديد لم تنجح قوى السلطة الماسكة بجوهر القرار العمومي – والمؤثثة لخلفية الصورة -في تبديد المخاوف ومحو الترددات الممكنة والمحتملة والتي تحبلها مرحلة الانتقال الديمقراطي الجارية بكل محاذيرها ومخاطرها وتردداتها، خاصة مع انتشار ثقافة تنظر للقوى الديمقراطية الصاعدة من رحم المجتمع كطائفة تتملك المستقبل السياسي لوحدها مما يخيف قوى التحكم من انفراط عقدها، وتهديد مراكز نفوذها التقليدي على مفاصل الدولة والمجتمع ، لا النظر الى تلك القوى كفعاليات أفرزها تطور الفعل السياسي في البلاد ونضح بها المجتمع من خلال تطوره التاريخي، وتريد تكريس المواطنة الحقة وبناء دولة الشعب ، ذلك لأن سلطة الدولة العتيقة والعميقة والتشكيل النخبوي المتحلق حولها والمهندس لقرارها الاستراتيجي، لم تستطع أن تفرق بين الأغلبية السياسية المبنية على منطق المرحلة المؤسس لخيار الإصلاح في إطار الاستقرار، ومنطق الغلبة الهيمنية لقوى سياسية مرجعيتها من مرجعية الدولة والمجتمع وتريد التحويل الديمقراطي للوضع العام، بل في حسبانها تتغيا الإطباق على الحياة السياسية والمدنية والاجتماعية بنزعة "كولونيالية" شمولية مدعاة.
إن كل ذلك يعني في منطق التاريخ وخبرة المرحلة، تسجيل بداية ارتداد محتمل، لكنه معاند لمنطق التاريخ وحتمية الإصلاح في الانعطافة الحضارية التي تعيشها أمتنا، بل وتراجعا عن روح اللحظة التحريرية الفريدة التي شارك فيها الجميع في 20 فبراير 2011 وانتخابات 25 نونبر 2011..


وهو جوهر الألم الذي يحاصر الأمل، المنبعث في سماء مغرب اليوم .. مما يستدعى منا إنجاز مهمة المراجعة النقدية الشاملة كنخبة وقوى سياسية ودولة.
إن جوهر الصراع السياسي الذي يتفاعل في مغرب اليوم، هو في العمق حول من هي القوى التي تملك الشرعية السياسية والتي لها الأحقية الديمقراطية في تدبير الفضاء العمومي وتوجيه الرأي العام، وتشكيل الإرادة العامة وبناء منطق السيادة الشعبية، هل هي تلك القوى النابعة من رحم الشعب والمستلهمة شرعيتها من السلطة الاقتراعية، وهذه تؤسس لمستقبل جديد لنظامنا السياسي الحديث وتكسبه مضمونه البرلماني الديمقراطي وتحافظ على شكله الملكي الوراثي، أم هي تلك القوى التي كرست السلطوية في معمار نظامنا السياسي وأعطته - في سالف العهود - مسحة عتيقة ومنحته مضمونا تقليديا سلطانيا استبداديا يتسربل بشكليات المجاز المؤسساتي لكنه يحافظ على تركيز السلطات فيه ويكرس البنية المحافظة والقدرة الاستبدادية
تلك هي القضية في حقيقة الصراع السياسي والتناقض في الاختيارات الماثل في المرحلة، إنه الصراع حول الديمقراطية والسيادة الشعبية، من يريد أن يؤسسها ويمنحها أسباب الحياة والاستمرار ومن يريد أن يجهضها وينسف منطقها .
*عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية